رشا ضاحى تكتب: الحياة والقلوب القاسية 

موقع بيان الإخبارى

بسم الله الرحمن الرحيم

سبحان الخلّاق العظيم، جلّ جلاله، الذي خلق الإنسان في أحسن تصوير، وجعل في جوفه قلبًا ينبض بالحياة والحب.

وقلب الإنسان أخلص ما فيه وأرفعه منزلة، وقد ورد لفظ القلب في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، وجاء في سياقات متعددة تكشف لنا مكانة القلب وأهميته في حياة الإنسان.
فقد يأتي القلب بمعنى العقل والفهم، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧].

وقد يأتي في سياق يدل على اختلاف القلوب وتفرقها، كما في قوله تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾ [الحشر: ١٤]، أي: تراهم مجتمعين في الظاهر، بينما قلوبهم متفرقة ومختلفة.

ويأتي القلب كذلك بمعناه الحقيقي، وهو القلب الذي في الصدر، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].

وهكذا نرى أن القلب ليس مجرد عضو في جسد الإنسان، بل له شأن عظيم في صلاح الإنسان وحياته، ولذلك كان من المهم أن نتوقف عند حال هذا القلب: هل هو قلب سليم حيّ، أم قلب أصابته القسوة؟

وخلال رحلة الإنسان في هذه الحياة، يلتقي بأنواع متعددة من القلوب؛ منها القلب السليم، الذي يحب الخير للجميع، ويشعر بمن حوله، ويستمع إلى شكواهم، وإن لم يستطع حل مشكلاتهم فإن مجرد اهتمامه بأمرهم قد يُسعد من يشتكي إليه.
وهذه القلوب السليمة عامرة بذكر الله، فهي في معيته سبحانه، ترضى بالقضاء، وتفرح بالعطاء، وتتعامل مع الناس بالرحمة والمودة.

ولكن، مع الأسف الشديد، أصبح القلب القاسي حاضرًا في كثير من صور حياتنا، وقد وصف الله سبحانه وتعالى تلك القلوب القاسية بأبلغ وصف، فقال تعالى:

﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٧٤].

فما أشد قسوة القلب حين يفقد رقته ورحمته، حتى يصبح صاحبه شديدًا في تعامله مع من حوله، وربما كان أقسى ما يكون مع أقرب الناس إليه.
فنرى صورًا مؤلمة من جحود الأبناء لآبائهم، وصورًا من العقوق قد تصل إلى أبشع الجرائم، ونشاهد تراجع المودة والرحمة بين الأزواج، حتى تكاد تنعدم في بعض البيوت.

وكم من أمثلة أخرى نتعامل معها يوميًا في الشارع وفي حياتنا، نرى فيها آثار هذه القلوب حين تغيب عنها الرحمة والرأفة.

ولكن من أين تأتي هذه القسوة؟ ولماذا يبتعد القلب عن فطرته التي فطره الله عليها؟
يقول الله جل وعلا:
﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢].

فمن أعظم أسباب قسوة القلب البعد عن ذكر الله؛ فلو استحضر الإنسان عظمة الله ورحمته، وتذكر مراقبته له، ورجع إليه كلما قست نفسه، لما استسلم لهذه القسوة.
ولو استحضرنا سنة النبي صلى الله عليه وسلم، الرحمة المهداة للعالمين، لرأينا كيف كانت الرحمة واللين من أعظم صفاته في تعامله مع الناس.

يقول الله سبحانه وتعالى:﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].

فإذا كان اللين والرحمة من أسباب اجتماع القلوب، فإن القسوة والغلظة من أسباب تفرقها.

وما أحوجنا اليوم إلى أن نراجع حال قلوبنا، وأن نسأل أنفسنا بصدق: هل قلوبنا كما أمرنا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ هل ما زالت تعرف الرحمة، وتشعر بآلام الآخرين، وتلين عند ذكر الله؟ أم أن مشاغل الحياة وأهواء النفس قد أغلقتها وأثقلت عليها؟
ألا نعلم أن يوم القيامة لن ينفع الإنسان ما اكتسبه في الدنيا من مال وبنين ، وإنما ينفعه قلبه إذا أتى الله به سليمًا؟
قال تعالى ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨-٨٩].
فلنراجع قلوبنا قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم، ولنحرص على أن نحييها بذكر الله، ونطهرها من الكبر والجفاء، ونعود بها إلى الرحمة والرأفة.
اللهم في ذكرى ميلاد الهادي البشير، ارزقنا قلبًا يحيا بذكرك، ورحمةً من عندك تُصلح بها قلوبنا، وتطهرها من القسوة، وتحبب إليها الرأفة والرحمة.
يا رؤوف، يا رحيم.

طالع المزيد: رشا ضاحى تكتب: دعوةُ إبراهيم وبِشارةُ عيسى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى