بعد 25 عاما من زلزال 9/11 الأمريكي.. لماذا لم يحاكم المتهمين بارتكاب التفجيرات؟!

ندوة تفتح ملفا شائكا: المتهمون في جوانتانامو والتعذيب وأزمة المحاكمات العسكرية

كتب: على طه
بعد مرور ربع قرن على هجمات 11 سبتمبر 2001، التي أسفرت عن مقتل 2,977 شخصا، لا تزال واحدة من أشهر القضايا الجنائية والسياسية في التاريخ الأمريكي الحديث تبحث عن خاتمة قانونية واضحة.

فالمتهمون الخمسة الذين تقول الحكومة الأمريكية إنهم مسؤولون عن التخطيط للهجمات وتنفيذها لم تصدر بحقهم أحكام نهائية، فيما لا تزال القضية أمام نظام المحاكمات العسكرية في جوانتانامو، وسط نزاعات قانونية متشابكة حول الأدلة والتعذيب والاختصاص القضائي.

تفجيرات 9/11
تفجيرات 9/11

وفي هذا السياق، تستضيف مدينة واشنطن في 13 سبتمبر 2026 (القادم) ندوة بعنوان: «بعد 25 عاما من 11 سبتمبر وما زالت بلا عدالة.. إليكم السبب»، وذلك في مقر Busboys and Poets بمنطقة 14th & V، بمشاركة الصحفي جون رايان، مؤلف كتاب America’s Trial: Torture and the 9/11 Case on Guantanamo Bay، وعالمة الاجتماع ليزا حجار، مؤلفة كتاب The War in Court: Inside the Long Fight Against Torture.

واللقاء، الذي تنظمه جهات بينها MERIP بالتعاون مع Busboys and Poets، يقدم قراءة في أسباب تعثر القضية وتداعياتها على مستقبل غوانتانامو وحرب الولايات المتحدة على الإرهاب.

قضية بدأت عام 2008

وتكشف التفاصيل المتعلقة بالقضية أن المشكلة ليست في غياب الاتهامات، وإنما في تعقيد الطريق الذي يفصل الاتهام عن الحكم.

فقد وجهت الولايات المتحدة الاتهامات إلى خالد شيخ محمد وأربعة متهمين آخرين أمام نظام اللجان العسكرية في غوانتانامو، وظلت القضية لسنوات طويلة تدور في مرحلة ما قبل المحاكمة.

وتشير سجلات القضية إلى أن هذه الإجراءات بدأت في صورتها الأولى عام 2008، ثم أعيد توجيه الاتهامات في 2012، لكن المحاكمة الكاملة لم تبدأ حتى الآن.

كما تؤكد أرشيفات جلسات اللجان العسكرية أن قضية 11 سبتمبر لا تزال في مرحلة ما قبل المحاكمة.

وفي عام 2026، واصلت وزارة الحرب الأمريكية الإعلان عن جلسات تمهيدية للقضية في غوانتانامو، بما يؤكد أن الملف لم ينتقل بعد إلى محاكمة نهائية.

وكانت الوزارة قد أعلنت في يوليو 2026 عن جلسات مقررة بين 28 سبتمبر و2 أكتوبر 2026 للمتهمين الأربعة المعنيين في ذلك الجدول.

التعذيب.. العقدة التي طاردت القضية

المفارقة الأكثر إثارة في الملف أن الحكومة الأمريكية تتهم الرجال الخمسة بالضلوع في التخطيط لهجمات 11 سبتمبر، لكنها في الوقت نفسه تواجه مشكلة قانونية مرتبطة بالطريقة التي تعاملت بها مع هؤلاء المتهمين خلال سنوات احتجازهم لدى وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية.

وتشير الأدبيات القانونية التي تناولت القضية إلى أن المتهمين تعرضوا لعمليات استجواب قاسية وتعذيب خلال احتجازهم في شبكة من المواقع السرية التابعة للـCIA قبل نقلهم إلى جوانتانامو.

وتكمن أهمية هذه النقطة في أن الأدلة التي تنتزع من خلال التعذيب تثير أسئلة قانونية عميقة حول مدى إمكانية استخدامها أمام المحكمة، فضلا عن تأثير التعذيب على قدرة المتهمين على الدفاع عن أنفسهم وعلى سلامة الإجراءات القضائية نفسها.

وما سبق هو المحور الرئيسي في كتاب ليزا حجار The War in Court، الذي يتتبع المعركة القانونية الطويلة ضد سياسة التعذيب الأمريكية بعد هجمات 11 سبتمبر، ودور مئات المحامين في استخدام القضاء لمواجهة ما تعتبره انتهاكات قانونية ارتكبت في إطار «الحرب على الإرهاب».

وتوضح حجار في كتابها أن المعركة القانونية لم تكن فقط من أجل المتهمين، وإنما أيضا من أجل تثبيت مبدأ أن الدولة لا تمتلك حقا قانونيا في ممارسة التعذيب.

صفقة الاعتراف.. محاولة للخروج من المأزق

وشهدت القضية تطورا كبيرا في يوليو 2024 عندما توصل الادعاء والدفاع إلى اتفاقات إقرار بالذنب مع ثلاثة من المتهمين، بينهم خالد شيخ محمد، مقابل إسقاط عقوبة الإعدام والسماح باستكمال الإجراءات في إطار أحكام بالسجن مدى الحياة.

لكن وزير الدفاع الأمريكي آنذاك لويد أوستن سحب موافقته على الاتفاقات بعد أيام، لتدخل القضية في معركة قانونية جديدة.

وفي يوليو 2025، أيدت محكمة الاستئناف الأمريكية لدائرة مقاطعة كولومبيا سلطة أوستن في إلغاء الاتفاقات، ما أعاد القضية إلى مسار المحاكمات العسكرية المتعثر.

ووفقا لقرار المحكمة، كانت الاتفاقات قد تضمنت إقرارات بالذنب من ثلاثة متهمين مقابل عدم مطالبة الحكومة بعقوبة الإعدام.

وبذلك عادت القضية إلى نقطة شديدة التعقيد، ألا وهى: هل يمكن إجراء محاكمة عادلة بعد سنوات من الاحتجاز والتعذيب؟ وهل يمكن للادعاء أن يستخدم الأدلة التي ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بما جرى أثناء الاحتجاز السري؟ وهل يمكن الوصول إلى أحكام نهائية بعد ربع قرن من الهجمات؟

كتابان.. وروايتان عن مأزق العدالة

وتأتي الندوة المرتقبة عن 9/11 في واشنطن من خلال كتابين يحاولان الاقتراب من هذه الأسئلة من زاويتين مختلفتين.

إعلان عن الندوة المرتقبة

جون رايان، صاحب كتاب America’s Trial، تابع قضية غوانتانامو على مدى سنوات، ويقدم في كتابه رواية تفصيلية للمحاولات الأمريكية لمحاكمة المتهمين الخمسة.

ويركز الكتاب على السؤال الأوسع: كيف يمكن لديمقراطية أن تحاكم أشخاصا تتهمهم بارتكاب أسوأ هجوم إرهابي في تاريخها بعدما تعرضوا في الوقت نفسه للتعذيب على يد أجهزة الدولة؟

أما ليزا حجار، فتتناول القضية من زاوية أوسع تتعلق بالعلاقة بين القانون والحرب والتعذيب.

وتؤكد جامعة كاليفورنيا أن كتابها يعتمد على مقابلات واسعة مع شخصيات رئيسية، وعلى خبرتها في تغطية جوانتانامو ومعرفتها بالقانون الدولي وحقوق الإنسان، لبحث الكيفية التي حاول بها المحامون استخدام المحاكم لمواجهة سياسات التعذيب الأمريكية.

جوانتانامو.. إرث الحرب على الإرهاب

ولا تنحصر أهمية القضية في مصير المتهمين الخمسة وحدهم، وإنما تمتد إلى مستقبل معتقل جوانتانامو ذاته وإلى الإرث القانوني والسياسي للحرب الأمريكية على الإرهاب.

فالمعتقل الذي افتتح في أعقاب هجمات 11 سبتمبر تحول خلال أكثر من عقدين إلى أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في السياسة الأمريكية.

وأصبح اسمه مرتبطا بالاحتجاز إلى أجل غير مسمى، والمحاكمات العسكرية، والجدل حول التعذيب ومعايير العدالة الأمريكية.

ومن هنا، فإن تعثر قضية 11 سبتمبر يعكس مشكلة أوسع: فالدولة الأمريكية أرادت أن تجمع بين متطلبات الأمن القومي والرغبة في تقديم المتهمين إلى العدالة، لكنها اختارت في مرحلة مبكرة مسارا استثنائيا للاحتجاز والاستجواب والمحاكمة، ثم وجدت نفسها أمام إرث قانوني يصعب التخلص منه.

25 عاما.. والأسئلة ما زالت مفتوحة

وبعد مرور 25 عاما على الهجمات، لا تزال عائلات الضحايا تنتظر نهاية قانونية للقضية، بينما يواجه النظام القضائي الأمريكي أسئلة تتجاوز الأشخاص المتهمين إلى الدولة نفسها.

فالقضية لم تعد فقط: من خطط لهجمات 11 سبتمبر؟

بل أصبحت أيضا: كيف تحاكم دولة متهمين بالإرهاب بعد أن تعرضوا للتعذيب وهم في عهدتها؟ وهل يمكن أن تحقق العدالة من خلال نظام عسكري استثنائي استمر أكثر من عقدين من دون الوصول إلى حكم نهائي؟

وهذه الأسئلة هي التي تجعل اللقاء المقرر في واشنطن أكثر من مجرد فعالية لإحياء ذكرى 11 سبتمبر. فهو يفتح ملفا لم يغلق بعد، ويعيد النقاش حول حدود الحرب على الإرهاب، ومسؤولية الدولة، ومستقبل غوانتانامو، وما إذا كان القانون الأمريكي قادرا على الوصول أخيرا إلى خاتمة لهذه القضية التي بدأت قبل 18 عاما تقريبا من الذكرى الخامسة والعشرين للهجمات.

وبينما يستعد المشاركون للحديث عن «غياب العدالة» بعد ربع قرن، تبقى المفارقة الأبرز أن أكبر قضية إرهابية في التاريخ الأمريكي لا تزال عالقة بين الرغبة في العقاب، ومتطلبات المحاكمة العادلة، وإرث التعذيب، وتعقيدات نظام اللجان العسكرية.

وهكذا، فإن مرور 25 عاما على 11 سبتمبر لا يعني أن القضية وصلت إلى نهايتها، بل ربما يعني أن الولايات المتحدة لا تزال تواجه أحد أصعب أسئلة مرحلة «الحرب على الإرهاب»: كيف تحقق العدالة عندما تصبح ممارسات الدولة نفسها جزءا من القضية؟

……………………………………………………………..

مصادر التقرير
الإعلان الرسمي للفعالية – Busboys and Poets

كتاب America’s Trial – John Ryan

كتاب The War in Court – University of California Press

قرار محكمة الاستئناف الأمريكية بشأن اتفاقات الإقرار بالذنب

إعلان وزارة الحرب الأمريكية عن جلسات قضية 11 سبتمبر في 2026

أرشيف جلسات اللجان العسكرية لقضية 11 سبتمبر

طالع المزيد: 24 عامًا على أسوأ كوابيس العم سام.. أفلام 9/11 فى السينما الأمريكية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى