تقرير أمريكى: إعادة إعمار غزة تبدأ من رفح.. لماذا؟
صارت رفح في قلب التصور الأمريكي لإعادة إعمار غزة، وتحولت المدينة الواقعة في أقصى جنوب قطاع غزة وعلى الحدود مع مصر، من واحدة من أكثر مناطق القطاع ارتباطا بالحرب والنزوح إلى نقطة ارتكاز رئيسية في التصور الأمريكي لإعادة إعمار غزة، في رؤية تتجاوز إعادة بناء ما دمرته الحرب، لتشمل إعادة تنظيم البنية السكنية والاقتصادية والخدمية في القطاع، حسب تقرير صخفى منشور على موقع “الحرة” الأمريكية.
ويمضى التقرير مضيفا أن اختيار رفح كنقطة بداية لهذا التصور يستند إلى مجموعة من الاعتبارات الجغرافية والإنسانية والأمنية والسياسية، إذ تمثل المدينة، بحكم موقعها الحدودي ووجود معبر رفح، حلقة أساسية في أي ترتيبات تتعلق بمستقبل قطاع غزة وحدوده وعلاقاته بمحيطه الإقليمي.
ملامح المخطط
وفي يناير 2026، عرض جاريد كوشنر، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ملامح مخطط واسع لإعادة بناء قطاع غزة، يبدأ من رفح ويتدرج شمالا عبر خان يونس والمناطق الوسطى وصولا إلى مدينة غزة.
ولا يرتبط اختيار رفح بموقعها الجغرافي فقط، فهي تقع على الحدود مع مصر وتضم معبر رفح، الذي كان يمثل منفذا بريا رئيسيا للقطاع، كما ارتبطت المدينة على مدى عقود بحركة السكان والمساعدات، وأصبحت جزءا محوريا من أي ترتيبات تتعلق بمستقبل غزة.
ومع اندلاع الحرب في القطاع عقب هجوم 7 أكتوبر 2023، ازدادت أهمية رفح، بعدما تحولت إلى ملاذ لمئات الآلاف من الفلسطينيين الذين نزحوا من شمال ووسط القطاع.
وبحلول مايو 2024، أصبحت المدينة أيضا محورا للعملية العسكرية الإسرائيلية، لتتحول رفح والمناطق الحدودية المحيطة بها إلى واحدة من أكثر مناطق الحرب حساسية.
مدينة دمرتها الحرب
يواصل التقرير الصحفى الأمريكى موضحا أن حجم الدمار الذي خلفته الحرب أضاف بعدا جديدا إلى فكرة اختيار رفح كنقطة انطلاق لإعادة الإعمار. ووفقا لتحليل لصور الأقمار الصناعية نُشر في يوليو 2025، تعرض نحو 89% من مباني المدينة للدمار أو الأضرار.
ولا تعكس هذه النسبة حجم الخسائر فحسب، وإنما تكشف أيضا ضخامة المهمة التي ستواجه أي خطة لإعادة إعمار رفح، إذ لن تقتصر العملية على بناء المساكن والمنشآت، وإنما ستشمل إعادة تأهيل البنية التحتية، واستعادة الأراضي الزراعية، وإعادة الخدمات الأساسية التي تضررت خلال الحرب.
وبذلك يجمع اختيار رفح بين موقعها الحدودي، والحاجة الإنسانية الملحة، وحجم الدمار، إلى جانب الاعتبارات الأمنية والسياسية التي ستحدد مستقبل قطاع غزة.
رفح.. بوابة غزة إلى العالم
تاريخيا، ارتبطت رفح بالحدود المصرية وبحركة العبور بين غزة وسيناء. وبعد توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979 واستكمال الانسحاب الإسرائيلي من سيناء عام 1982، أصبحت المنطقة الحدودية مرتبطة بترتيبات أمنية وسياسية جديدة.
وفي عام 2005، وضعت اتفاقية الحركة والعبور، المبرمة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل بوساطة أمريكية ودولية، ترتيبات لإدارة معبر رفح، شملت إدارة فلسطينية من الجانب الغزي وإدارة مصرية من الجانب المصري، مع دور رقابي للاتحاد الأوروبي.
لكن سيطرة حماس على قطاع غزة عام 2007 غيرت المشهد، وأصبح المعبر مرتبطا بصورة مباشرة بالانقسام الفلسطيني والعلاقات بين غزة ومصر وإسرائيل.
ومنذ ذلك الحين، لم يعد معبر رفح مجرد نقطة لعبور المسافرين، وإنما تحول إلى ملف سياسي وأمني وإنساني في الوقت نفسه.
ومع اندلاع الحرب عام 2023، تغيرت وظيفة رفح مرة أخرى، فمع تدفق النازحين إلى جنوب القطاع، أصبحت المدينة واحدة من أكثر المناطق اكتظاظا بالسكان، وأصبح المعبر بالنسبة إلى كثير من الفلسطينيين منفذا محتملا للخروج من القطاع أو لدخول المساعدات عبر الحدود المصرية.
ثم أعادت العملية العسكرية الإسرائيلية التي بدأت في رفح خلال مايو 2024 رسم المشهد، وربطت المدينة بالنقاش الدولي حول حماية المدنيين والنزوح والمساعدات ومستقبل الحدود.
«رفح الجديدة»
وحسب التقرير فالتصور الذي طرحه كوشنر في يناير 2026، تجاوزت فكرته مجرد إعادة بناء المنشآت التي دمرتها الحرب، إلى مشروع أوسع لإعادة تنظيم قطاع غزة عمرانيا واقتصاديا، يبدأ من الجنوب.
وبحسب العرض الذي قدمه كوشنر، تضمنت فكرة «رفح الجديدة» أكثر من 100 ألف وحدة سكنية، إلى جانب منشآت طبية ومراكز تعليمية وثقافية ومهنية، ضمن رؤية لإعادة بناء البنية الأساسية والخدمات في القطاع.
لكن بعد أشهر من طرح الخطة، أفادت تقارير صحفية، نقلا عن مصادر وصفت بأنها مطلعة على المباحثات، بتراجع الطموح الأولي للمشروع، والانتقال إلى بحث إقامة مشروع تجريبي قرب رفح لإيواء ما يصل إلى 50 ألف فلسطيني نازح في وحدات سكنية متنقلة، مع ترتيبات أمنية تشمل شرطة فلسطينية خضعت للتدقيق الإسرائيلي، إلى جانب قوة الاستقرار الدولية.
وفي منتصف يوليو، نفى براد كلابر، المسؤول في «مجلس السلام»، صحة تقرير لصحيفة «جارديان» بهذا الشأن.
وقال كلابر لـ«الحرة» إن التقرير «غير صحيح ولا يستند إلى أي شيء»، من دون تقديم تفاصيل إضافية بشأن نطاق الخطة أو الجدول الزمني لتنفيذها.
ولم يصدر، حتى الآن، إعلان رسمي من الأطراف المشاركة في خطة السلام يؤكد اعتماد تقليص للخطة أو تفاصيل نهائية للمشروع.
من يدير رفح؟
تتحدث التصورات الأمريكية عن إدارة فلسطينية تكنوقراطية تتولى الخدمات المدنية، بالتوازي مع ترتيبات أمنية دولية وشرطة فلسطينية مدققة.
غير أن تنفيذ هذه الترتيبات يظل مرتبطا بعدد من الملفات المعقدة، وفي مقدمتها مستقبل إدارة قطاع غزة، ودور حركة حماس، وطبيعة الانسحاب أو الوجود العسكري الإسرائيلي، ومدى إمكانية تطبيق أي اتفاق سياسي على الأرض.
ويرى عماد محسن، الناطق الإعلامي باسم تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، أن المشروع يستهدف تثبيت المواطنين في أرضهم ومنع التهجير وإعادة إعمار غزة، إلى جانب إقامة شراكة سياسية بهدف تغيير النظام السياسي الفلسطيني.
رأى مصرى
ومن الجانب المصري، يرى العميد خالد عكاشة، رئيس مجموعة الأمن الإقليمي وتحليل المخاطر، أن اختيار رفح يرتبط بكونها من المناطق الأكثر قابلية للبدء بمشروعات إعادة بناء الخدمات العامة.
وقال عكاشة لـ«الحرة» إن الفلسطينيين بحاجة إلى استعادة الخدمات الأساسية في مختلف مناحي الحياة، معتبرا أن رفح يمكن أن تمثل نموذجا أوليا لهذه العملية.
وأضاف أن دولا عربية، بينها الإمارات وقطر والسعودية، أبدت استعدادها للمشاركة في إعادة إعمار غزة، معتبرا أن إعادة الحياة إلى القطاع يمكن أن تبدأ من رفح.
وبينما تبدو رفح مرشحة لتكون نقطة البداية في أي مشروع أمريكي لإعادة إعمار غزة، فإن تحويل التصور إلى واقع يظل رهنا بتسوية ملفات الأمن والإدارة والحدود والتمويل، فضلا عن موقف الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية والدول العربية والدولية.
وهكذا، لم تعد رفح مجرد مدينة حدودية أو عنوان للنزوح والدمار، وإنما أصبحت اختبارا مبكرا لمستقبل غزة بأكملها: هل يمكن أن تتحول المدينة التي كانت أحد أبرز مسارح الحرب إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء القطاع، أم أن تعقيدات السياسة والأمن ستظل أقوى من أي مخطط لإعادة الإعمار؟





