نهى سعيد تكتب: قبل لويس الرابع عشر.. الإسلام يضع أسس الإتيكيت والبروتوكول
موقع بيان الإخبارى
حين نفتح مراجع الإتيكيت المعاصرة أو نحضر ندوات متخصصة في العلاقات الدولية والدبلوماسية، غالبًا ما يبدأ الحديث من مصر القديمة، ثم ينتقل سريعًا إلى بلاط لويس الرابع عشر في فرنسا، حيث ارتبط مصطلح «Etiquette» بصورته الأوروبية الحديثة، وبقواعد المراسم والتشريفات في قصر فرساي.
لكن قبل أن نذهب إلى فرنسا، يجدر بنا أن نتوقف عند معنى المصطلحين. فالإتيكيت هو قواعد السلوك والذوق التي تنظم تعامل الفرد مع الآخرين، بينما البروتوكول هو القواعد والإجراءات الرسمية التي تنظم المراسم والعلاقات بين الشخصيات والمؤسسات والدول، خاصة في المناسبات الرسمية والدبلوماسية.
أما كلمة Etiquette، فقد ارتبطت في أصلها بكلمة Ticket، أي «بطاقة»، ثم أصبحت تُستخدم للدلالة على البطاقات والتعليمات التي كانت تحدد أماكن الجلوس وقواعد السلوك في القصور الفرنسية، قبل أن يتطور معناها إلى مفهوم الإتيكيت المعروف اليوم.
ورغم أهمية هذه المحطات، فإن السردية الشائعة تغفل أحيانًا حلقة مهمة: الحضارة الإسلامية، التي أرست منظومة واسعة للآداب والمعاملات، وقواعد للسلوك الفردي والاجتماعي، وكذلك لمراسم الحكم واستقبال الوفود والرسل، قبل قرون طويلة.
وقد جاءت هذه الفكرة في ذهني خلال حضوري محاضرة قيّمة عن البروتوكول والإتيكيت ألقاها أحد السفراء السابقين، وتناول خلالها جذور هذا الفن وتطوره.
وخلال المحاضرة، علّقتُ على ما طُرح، مشيرةً إلى أن الحضارة الإسلامية عرفت منظومة متكاملة من الآداب وقواعد التعامل والمراسم قبل ظهور الإتيكيت بصورته الأوروبية الحديثة.
وقد أيّد سيادته هذه الملاحظة، مؤكدًا أن الشريعة والحضارة الإسلامية سبقتا بالفعل في وضع كثير من قواعد التعامل والآداب الإنسانية.
والحقيقة أن الإسلام لم يقدم آداب السلوك باعتبارها مجرد قواعد شكلية، بل جعلها جزءًا من منظومة أخلاقية متكاملة.
يقول الله تعالى: «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا» — سورة البقرة، الآية 83، ويقول النبي ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».
ففي المجالس، نجد التوجيه إلى التفسح واحترام الآخرين، وخفض الصوت، وحسن الاستماع، وعدم المقاطعة، والنهي عن التناجي الذي قد يسبب الحرج لمن يجلس معهم.
وهي مبادئ نجد صداها في كثير من قواعد الإتيكيت المتعارف عليها اليوم، لكن الإسلام ربطها بالأخلاق والضمير والثواب، ولم يجعلها مجرد قواعد للذوق العام.
وفي مجال الخصوصية، وضع الإسلام قواعد واضحة للاستئذان وعدم التطفل وغض البصر وحفظ حرمات البيوت.
يقول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا» — سورة النور، الآية 27.
وحتى المائدة لم تكن بعيدة عن هذه المنظومة؛ فقد تناولت السنة النبوية آداب الطعام والشراب، من التسمية والأكل باليمين إلى عدم الإسراف ومراعاة الجليس.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا غلام، سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك»؛ أي أن يأكل الإنسان مما يليه، وألا يتناول من وسط الطعام أو من أمام غيره.
وفي الإتيكيت الحديث نجد قواعد تتعلق باستخدام أدوات المائدة، وانتظار الجميع قبل البدء، وعدم الحديث والفم ممتلئًا، وشكر المضيف.
وهي مبادئ نجد صداها في قواعد الإتيكيت المتعارف عليها اليوم، حيث يجتمع السلوك الراقي حول احترام المائدة والمضيف ومراعاة الآخرين.
وامتدت هذه الآداب إلى الفضاء العام؛ فإماطة الأذى عن الطريق، ومساعدة الآخرين، وحسن التعامل ورد السلام، كلها سلوكيات ارتبطت في الإسلام بالأجر والثواب.
وعلى مستوى البروتوكول الرسمي والدبلوماسي، شهدت الحضارة الإسلامية تطورًا في نظم الحكم والتشريفات وآداب استقبال الرسل والوفود، والمخاطبة، وتنظيم المجالس والمآدب والمراسم الرسمية، وترتيب المراتب والمقامات.
وتناولت كتب التراث جانبًا من هذه القواعد، ومنها «التاج في أخلاق الملوك» المنسوب إلى الجاحظ، إلى جانب مصنفات الماوردي وابن الفراء في شؤون الحكم والآداب السلطانية، بما يؤكد أن تنظيم المراسم والتعامل الرسمي كان حاضرًا في مؤسسات الدولة الإسلامية وفكرها السياسي والإداري.
ولا أقول إن الإسلام كان الحضارة الوحيدة التي عرفت آداب السلوك؛ فلكل حضارة إسهاماتها.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده: لماذا يُدرَّس تاريخ الإتيكيت والبروتوكول أحيانًا وكأن الحضارة الإسلامية كانت غائبة عن هذا التاريخ؟
إن استحضار هذا الجانب من الحضارة الإسلامية يفتح الباب أمام قراءة أوسع لتاريخ الإتيكيت والبروتوكول، تُنصف إسهامات الحضارات المختلفة وتضع كل تجربة في سياقها التاريخي.
فالإسلام لم يكن دين عبادات فحسب، بل دين معاملة وأخلاق وآداب، جعل احترام الإنسان وحفظ كرامته وحسن التعامل معه جزءًا أصيلًا من السلوك اليومي.
وربما آن الأوان، عند تدريس تاريخ الإتيكيت والبروتوكول، أن نقرأ هذا التاريخ كاملًا، وأن نعطي الحضارة الإسلامية مكانها المستحق فيه.





