قبل قمة واشنطن.. لماذا أوراق شي جين بينج أقوى من ترامب؟

كتب: عاطف عبد الغنى

تتجه أنظار العالم إلى واشنطن هذا الأسبوع، حيث يلتقي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينج في قمة مرتقبة يوم 24 سبتمبر، في محاولة جديدة لإدارة واحدة من أكثر العلاقات الدولية تعقيدًا، والوصول إلى ما اتفق الجانبان على تسميته «الاستقرار الاستراتيجي البنّاء».

لكن القمة لا تنعقد في فراغ سياسي؛ حيث تدخل بكين الاجتماع وهي ترى أن موقعها التفاوضي أصبح أكثر قوة، مدفوعة بسلسلة من التحركات الدبلوماسية التي قام بها شي خلال الأسابيع الأخيرة، وبحاجة واشنطن المحتملة إلى التعاون الصيني في ملفات دولية تتجاوز العلاقة الثنائية، وفي مقدمتها الحرب في إيران والحرب الروسية-الأوكرانية.

جولة دبلوماسية مكثفة قبل واشنطن

وقبل توجهه إلى العاصمة الأمريكية، خاض شي جين بينج واحدة من أكثر جولاته الخارجية كثافة في السنوات الأخيرة؛ إذ شارك في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك بقرغيزستان، ثم أجرى زيارة دولة إلى مصر، كما تحركت بكين دبلوماسيًا في محيطها الإقليمي والدولي، في رسالة مفادها أن الصين لا تدخل القمة الأمريكية من موقع الطرف المحاصر أو المعتمد على واشنطن، وإنما وهي تمتلك شبكة واسعة من العلاقات والشراكات.

وترى تحليلات أمريكية أن هذه التحركات تمنح شي مساحة أكبر للمناورة قبل لقاء ترامب؛ فواشنطن تواجه في الوقت نفسه ملفات ساخنة تحتاج فيها إلى قنوات اتصال أو تعاون صيني، بينما تحاول بكين تقديم نفسها بوصفها طرفًا قادرًا على الحفاظ على علاقات مع قوى مختلفة، من روسيا ودول الجنوب العالمي إلى دول الشرق الأوسط.

وكانت زيارة شي إلى القاهرة لافتة في هذا السياق، إذ جاءت في إطار جولة شملت أيضًا قمة منظمة شنغهاي للتعاون، في وقت تسعى فيه الصين إلى توسيع حضورها الدبلوماسي والاقتصادي في الشرق الأوسط والجنوب العالمي.

واعتبرت تحليلات أمريكية أن هذا التحرك يعكس رغبة بكين في إظهار أن لديها «خيارات استراتيجية» وشبكة علاقات تتجاوز العلاقة مع واشنطن.

إيران وأوكرانيا.. أوراق خارج الطاولة الثنائية

أحد أهم عناصر القوة التي يمكن أن تدخل بها الصين إلى قمة واشنطن هو أن جدول الأعمال لم يعد مقتصرًا على التجارة والتعريفات والرقائق وأشباه الموصلات.

فالحرب في إيران أصبحت ملفًا مباشرًا على طاولة ترامب وشي، خصوصًا أن بكين تربطها علاقات وثيقة بطهران، كما أنها أكبر مشترٍ للنفط الإيراني.

وفي 16 سبتمبر، دعا وزير الخارجية الصيني وانغ يي الولايات المتحدة وإيران إلى ضبط النفس والعودة إلى مسار التفاوض، كما دعت بكين إلى إعادة فتح مضيق هرمز سريعًا حفاظًا على استقرار إمدادات الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

وتنظر واشنطن إلى بكين باعتبارها طرفًا يمتلك قنوات تأثير على طهران، وإن كانت التقارير تشير في الوقت نفسه إلى أن الصين لم تبدِ استعدادًا واضحًا لممارسة ضغط مباشر على إيران بالطريقة التي تريدها الولايات المتحدة.

ولذلك، فإن حاجة واشنطن إلى التعاون الصيني لا تعني بالضرورة أن بكين ستقدم تنازلات مجانية.

وينطبق الأمر بدرجات مختلفة على الحرب الروسية-الأوكرانية؛ فالصين تحتفظ بعلاقات وثيقة مع روسيا، وتملك قنوات اتصال مع أطراف متعددة في الأزمة، وهو ما يجعلها طرفًا يمكن أن تبحث واشنطن عن دوره في أي مسار دبلوماسي أوسع، حتى إذا ظلت فرص التوصل إلى هدنة قريبة محدودة وفق تقديرات التقرير الأصلي.

التجارة والتكنولوجيا.. الملفات الأصعب

في المقابل، تحمل القمة مجموعة من الملفات الثنائية شديدة الحساسية، على رأسها مستقبل الهدنة التجارية، والرسوم الجمركية، والقيود الأمريكية على التكنولوجيا المتقدمة، والصادرات الصينية من المعادن الأرضية النادرة والمواد الحيوية للصناعات عالية التقنية.

وتشير رويترز إلى أن البلدين يناقشان تمديد الهدنة الجمركية، فيما تسعى واشنطن إلى الحصول على مزيد من المشتريات الصينية للمنتجات الأمريكية، بما فيها الطائرات الزراعية والغذاء، بينما تضغط بكين من أجل تخفيف القيود المفروضة على وصول الشركات الصينية إلى التكنولوجيا الأمريكية المتقدمة.

كما تمثل المعادن النادرة عنصر ضغط مهمًا في المفاوضات، في ظل اعتماد صناعات أمريكية متعددة عليها.

ومن المتوقع كذلك أن يحضر الذكاء الاصطناعي في المحادثات، خصوصًا مع وجود مصالح مشتركة تتعلق بمخاطر إساءة استخدام التكنولوجيا، مقابل منافسة حادة بين البلدين في مجال الذكاء الاصطناعي والقدرات الحوسبية والتطبيقات العسكرية.

وتشير تحليلات الخبراء إلى أن إمكانية التعاون في هذا الملف موجودة، لكنها قد تظل محدودة بسبب المنافسة الاستراتيجية العميقة بين واشنطن وبكين.

تايوان.. الاختبار الأصعب

ويبقى ملف تايوان أحد أكثر الملفات قابلية لإحداث توتر خلال القمة.

فبكين تسعى منذ سنوات إلى الحصول على تأكيدات أمريكية أكثر وضوحًا بشأن موقف واشنطن من استقلال تايوان، بينما يظل الدعم الأمريكي لقدرة الجزيرة على الدفاع عن نفسها جزءًا أساسيًا من السياسة الأمريكية.

وتشير رويترز إلى أن هناك حزمة أسلحة أمريكية محتملة لتايوان تصل قيمتها إلى نحو 14 مليار دولار، بينما لا تزال بعض تفاصيلها معلقة.

ولهذا فإن أي إشارة جديدة من ترامب بشأن تايوان ستكون ذات أهمية كبيرة لبكين وواشنطن وحلفاء الولايات المتحدة في آسيا، خصوصًا أن الملف يتجاوز مسألة الجزيرة ذاتها إلى التوازن العسكري والسياسي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

«الاستقرار الاستراتيجي»

اللافت في القمة أن الجانبين دخلا مرحلة جديدة من إدارة الخلافات تحت عنوان «الاستقرار الاستراتيجي البنّاء»، وهو مفهوم برز بقوة خلال لقاء ترامب وشي السابق في بكين.

لكن مراكز أبحاث أمريكية وآسيوية تشير إلى أن الطرفين لا ينظران بالضرورة إلى المصطلح بالطريقة نفسها. فبكين تطرحه باعتباره إطارًا لإدارة المنافسة بحيث تكون الشراكة والتعاون في المقدمة، مع إبقاء المنافسة ضمن حدود يمكن التحكم فيها، بينما تضيف واشنطن مفهوم «العدالة والتبادلية» إلى تصورها للعلاقة.

ويرى الباحث في معهد بروكينجز ريان هاس أن بكين لا تتعامل مع العلاقة مع ترامب باعتبارها طريقًا إلى تسوية استراتيجية شاملة، بل تركز على تعزيز موقعها طويل الأمد والاستفادة من الوقت لبناء قدرات أكبر على مواجهة الضغوط الأمريكية.

ومن هذه الزاوية، ليس المقصود بالضرورة أن الصين تملك تفوقًا في كل ملفات التفاوض، وإنما أن لديها عددًا أكبر من الأوراق الخارجية التي يمكن استخدامها، في الوقت الذي تحتاج فيه واشنطن إلى نتائج في ملفات تتجاوز التجارة الثنائية.

قمة المصالح المتبادلة

وبينما يسعى ترامب إلى نتائج اقتصادية يمكن تقديمها للرأي العام الأمريكي، يدخل شي جين بينج القمة وهو حريص على تثبيت إطار جديد لإدارة المنافسة مع الولايات المتحدة، والحفاظ على الاستقرار التجاري والتكنولوجي، وتجنب تصعيد غير محسوب حول تايوان، مع إبقاء مساحة المناورة الصينية مفتوحة في ملفات إيران وروسيا والجنوب العالمي.

وتشير تحليلات ما قبل القمة إلى أن التوقعات ينبغي ألا تكون مرتفعة بشأن «اختراق كبير» في الملفات الخلافية؛ فهناك مجموعة من الترتيبات التي يمكن تمديدها أو تطويرها، خصوصًا في التجارة والرقابة على الصادرات، لكن القضايا الأكثر حساسية، مثل تايوان والتكنولوجيا والعلاقة مع إيران، لا تزال تحمل خلافات جوهرية.

وهكذا تبدو قمة واشنطن أقل شبهًا بلقاء يبحث عن «صفقة كبرى» وأكثر ارتباطًا بمحاولة رسم قواعد جديدة لمنافسة ستستمر بين القوتين.

وفي هذا السياق، فإن السؤال الأهم لن يكون فقط: ماذا سيحصل عليه ترامب من شي؟ بل أيضًا: إلى أي مدى ستنجح بكين في تحويل حاجات واشنطن الدولية والاقتصادية إلى مساحة أوسع للمناورة والنفوذ؟

 طالع المزيد: قبل قمة ترامب وشي.. عائلات أمريكية تضغط لإطلاق سراح محتجزيها في الصين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى