أوروبا تغلق بابًا أمام السندات الإسرائيلية.. ماذا وراء قرار لوكسمبورغ؟
مصادر – وكالات – موقع بيان الإخبارى
توقف تسويق السندات الحكومية الإسرائيلية للجمهور في المنطقة الاقتصادية الأوروبية وفق أحدث نشرة الإصدار السابقة، بعد انتهاء صلاحية النشرة المعتمدة في لوكسمبورغ في 31 أغسطس 2026، وعدم تمديدها لعام جديد، في تطور يأتي وسط ضغوط متصاعدة من منظمات المجتمع المدني ونشطاء وخبراء قانونيين بسبب الحرب في قطاع غزة.
وأكد البنك المركزي الأيرلندي أن صلاحية نشرة إصدار السندات الإسرائيلية انتهت، ما يعني عدم إمكانية طرح هذه السندات في المنطقة الاقتصادية الأوروبية استنادًا إلى تلك النشرة. وأكدت منظمة العفو الدولية التطور في 23 سبتمبر، معتبرة أن مسار التسويق الأوروبي للسندات انتهى مع انتهاء صلاحية النشرة.
لوكسمبورغ ترفض التمديد
تعود جذور التطور إلى عام 2025، عندما انتقلت مسؤولية نشرة إصدار السندات الإسرائيلية من أيرلندا إلى لوكسمبورغ.
ومنذ عام 2021 كانت أيرلندا تمثل «الدولة العضو الأصلية» بالنسبة إلى برنامج السندات الإسرائيلية في إطار قواعد نشرة الإصدار الأوروبية، وذلك بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ويوضح البنك المركزي الأيرلندي أن الدولة الإسرائيلية اختارت أيرلندا بوصفها الدولة العضو المختصة، وهو ما أتاح اعتماد نشرة الإصدار بما يسمح بعرض الأوراق المالية في أيرلندا ودول أوروبية أخرى وفق القواعد المعمول بها.
وفي سبتمبر 2025، انتقلت نشرة الإصدار إلى لوكسمبورغ، حيث وافقت الهيئة الرقابية المالية هناك على نشرة جديدة صالحة لمدة عام.
لكن الهيئة الرقابية المالية في لوكسمبورغ، المعروفة باسم CSSF، قررت عدم تمديد النشرة بعد انتهاء صلاحيتها في 31 أغسطس 2026. وكانت السلطات في لوكسمبورغ قد أعلنت القرار في يوليو الماضي.
قرار تنظيمي أم نتيجة للضغوط السياسية؟
وهنا تظهر نقطة مهمة في قراءة التطور، فمنظمة العفو الدولية تربط القرار بسياق ضغوط متزايدة مارستها منظمات المجتمع المدني وخبراء قانونيون ونشطاء على السلطات الأوروبية، وتقول إن هذه الحملات طالبت بوقف تسويق السندات الإسرائيلية في أوروبا، على خلفية الحرب في غزة وما تعتبره المنظمة انتهاكات للقانون الدولي.
لكن الجانب الآخر من القصة يتمثل في موقف الجهة التنظيمية نفسها؛ إذ نقلت تقارير عن المدير العام للهيئة الرقابية المالية في لوكسمبورغ، كلود ماركس، أن قرار عدم التمديد اتُّخذ لأسباب تنظيمية تتعلق بقواعد نشرة الإصدار الأوروبية، وليس باعتباره قرارًا سياسيًا مرتبطًا بالحرب في غزة أو بالانتقادات الموجهة إلى إسرائيل.
وبالتالي، فإن الأدق صحفيًا هو القول إن انتهاء تسويق السندات جاء في ظل ضغوط سياسية وقانونية ومجتمعية متصاعدة، لكن الجهة الرقابية لم تقدمه باعتباره عقوبة سياسية أو قرارًا مرتبطًا مباشرة بالحرب.
ماذا تعني الخطوة للسندات الإسرائيلية؟
السندات الإسرائيلية، المعروفة باسم Israel Bonds، هي أدوات دين تصدرها دولة إسرائيل من خلال مؤسسة «Development Corporation for Israel»، وتستهدف من بين فئات المستثمرين الأفراد وصغار المستثمرين.
وبحسب منظمة العفو الدولية، جمعت هذه السندات في المتوسط نحو 2.4 مليار دولار سنويًا خلال الفترة من 2023 إلى 2025، في وقت ارتفع فيه الإنفاق العسكري الإسرائيلي بصورة كبيرة. وتستخدم المنظمة هذه الأرقام لتدعيم دعوتها إلى وقف تسويق السندات في أوروبا.
غير أن انتهاء صلاحية نشرة الإصدار الأوروبية لا يعني انتهاء قدرة إسرائيل على إصدار السندات أو الحصول على تمويل من أسواق أخرى، كما لا يعني حظر السندات الإسرائيلية عالميًا. التأثير المباشر يتعلق بإمكانية عرضها وتسويقها للجمهور في المنطقة الاقتصادية الأوروبية استنادًا إلى نشرة إصدار أوروبية سارية.
أيرلندا في قلب القصة
كانت أيرلندا في مقدمة الدول الأوروبية التي تعرضت لضغوط من منظمات مؤيدة للفلسطينيين ومنظمات حقوقية بسبب دورها التنظيمي في ملف السندات.
وبعد انتقال النشرة إلى لوكسمبورغ عام 2025، طالبت منظمة العفو الدولية أيرلندا بعدم قبول إعادة نقل نشرة الإصدار إليها، وعدم الموافقة على نشرة جديدة تسمح باستئناف التسويق الأوروبي للسندات.
وفي يوليو 2026، قالت المنظمة إن صلاحية النشرة التي كانت مستضافة في لوكسمبورغ ستنتهي في 31 أغسطس، ودعت السلطات في لوكسمبورغ إلى عدم تجديدها، كما دعت أيرلندا إلى رفض أي محاولة لإعادة اعتماد البرنامج لديها.
معركة قانونية وسياسية تتجاوز السندات
وترى منظمة العفو الدولية أن القضية تتجاوز الجانب المالي إلى مسألة مسؤولية الدول عن منع أو عدم تسهيل انتهاكات القانون الدولي. وفي بيانها الصادر في يوليو، دعت المنظمة دول الاتحاد الأوروبي إلى عدم قبول نقل نشرة السندات أو اعتماد نشرة جديدة، وربطت ذلك بتقييم المخاطر القانونية الناجمة عن تمويل الحكومة الإسرائيلية في ظل الحرب على غزة.
لكن هذه المواقف تمثل تقييمًا قانونيًا وسياسيًا لمنظمة العفو الدولية، ولا ينبغي الخلط بينها وبين قرار تنظيمي صادر عن هيئة مالية أوروبية.
ماذا بعد 31 أغسطس؟
حتى الآن، يمثل انتهاء صلاحية النشرة وعدم تجديدها تحولًا مهمًا في وضع السندات الإسرائيلية داخل السوق الأوروبية المنظمة، لكنه لا يرقى إلى مستوى حظر أوروبي شامل على الديون الإسرائيلية.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو ما إذا كانت إسرائيل ستسعى إلى اعتماد نشرة جديدة في دولة أخرى من دول المنطقة الاقتصادية الأوروبية، أم أن التطورات السياسية والقانونية ستجعل إعادة فتح هذا المسار أكثر تعقيدًا.
وبينما تعتبر منظمة العفو الدولية انتهاء التسويق الأوروبي للسندات نتيجة لحملة ضغط استمرت أكثر من عام، تتمسك القراءة التنظيمية بأن القرار مرتبط بإطار قواعد نشرات الإصدار الأوروبية. وبين الروايتين، تبقى الحقيقة الإجرائية الواضحة: النشرة التي كانت تسمح بتسويق السندات الإسرائيلية في المنطقة الاقتصادية الأوروبية انتهت في 31 أغسطس 2026، ولم تُمدد، وأكد البنك المركزي الأيرلندي انتهاء إمكانية تسويقها استنادًا إلى تلك النشرة.





