“فاجعة موجعة للقلوب”: قصص وصور مضللة على وسائل التواصل.. كيف نحمي أنفسنا؟
كتب: أحمد السيد
في عصر الانفجار الرقمي، لم تعد الحقيقة دائمًا هي ما يُشاهد أو يُقرأ على الشاشات.
ومع تصاعد قوة وسائل التواصل الاجتماعي كأداة رئيسية لنقل الأخبار، باتت ظاهرة إعادة تدوير الصور القديمة بأوصاف ومعلومات جديدة إحدى الوسائل السهلة والفعّالة لخداع المتابعين، وإثارة المشاعر، وحصد التفاعل، دون أي اعتبار للدقة أو التحقق.
قصة مفبركة تتجدد كل بضع سنوات
في 30 أغسطس 2025، اجتاحت مواقع التواصل اليمنية، وخاصة “فيسبوك”، قصة مؤلمة تحت عنوان: “فاجعة موجعة للقلوب”. تزعم القصة أن فتاة حديثة الزواج، من محافظة الحديدة، تم اختطافها وقتلها في العاصمة صنعاء على يد عصابة يقودها سائق سيارة أجرة، بعد أن كانت في طريقها لاستلام حوالة مالية.
القصة حظيت بتفاعل كبير، إذ شاركها المئات، ولاقت تفاعلًا واسعًا من المتابعين الذين عبروا عن غضبهم وحزنهم الشديدين، قبل أن يتضح أنها محض إعادة تدوير لقصة قديمة تعود إلى عام 2016.
تفنيد الادعاء: الحقيقة في الصورة والمصدر
عند التدقيق في الصورة المرافقة للرواية، قام فريق منصة “حقيقة يمنية” باستخدام تقنية البحث العكسي للصور عبر جوجل، ليتبيّن أن:
الصورة المستخدمة نُشرت أول مرة عام 2016، وتعود إلى جريمة حقيقية بالفعل، ولكنها وقعت في مدينة عدن، وليس في صنعاء.

المجني عليها تُدعى نوف فضل الأعور، وعُثر على جثتها في منطقة مهجورة بمديرية الشيخ عثمان.

القصة نُشرت مجددًا لاحقًا عام 2020 بنفس الصورة تقريبًا، قبل أن يُعاد تدويرها مرة أخرى عام 2025، بتفاصيل مزيفة وموقع جغرافي مختلف.
لم تصدر أي جهة رسمية في صنعاء بيانًا يؤكد وقوع حادث مشابه خلال أغسطس 2025 أو قبله، ما يعزز أن المنشور مجرد فبركة عاطفية تستغل صورة حقيقية، لكنها خارج السياق.
أمثلة أخرى على الصور المعاد تدويرها
صورة طفل سوري تحت الأنقاض: تم تداولها عام 2023 على أنها من غزة، لكنها تعود في الأصل إلى زلزال سوريا عام 2017.

امرأة تبكي في مستشفى: استخدمت على أنها أم فقدت أبناءها في قصف باليمن، بينما هي صورة من فيلم درامي مصري شهير.
صور الدمار في أوكرانيا: أعيد استخدامها مرارًا لتصوير أحداث في السودان أو فلسطين أو سوريا، مع نصوص مختلفة تمامًا عن الحدث الأصلي.
لماذا يُعاد تدوير الصور؟
منشورات كهذه ليست جديدة، بل أصبحت ظاهرة شائعة، ويكمن وراءها عدة دوافع:
جذب الانتباه السريع: الصور الصادمة تستحوذ على اهتمام الجمهور بشكل أسرع من النصوص.
إثارة المشاعر: القصص الإنسانية، خصوصًا تلك المرتبطة بالعنف أو الأطفال أو النساء، تلقى رواجًا عاطفيًا واسعًا.
حصد “اللايكات” والمشاركات: بعض الصفحات أو الحسابات تسعى لبناء قاعدة جماهيرية عبر التفاعل دون الالتزام بالدقة.
التأثير السياسي أو المجتمعي: أحيانًا تُستخدم هذه المنشورات في سياقات تحريضية، لتأجيج الرأي العام ضد جهة أو منطقة بعينها.
منصات التحقق: خط الدفاع الأول ضد التضليل
في مواجهة هذا التلاعب البصري والعاطفي، تبرز أهمية منصات التحقق من المعلومات مثل:
حقيقة يمنية
مسبار
العين الإخبارية – تحقق
رويترز Fact Check
Snopes و AFP Fact Check عالميًا.
تستخدم هذه المنصات تقنيات متعددة مثل التحليل الرقمي للصور، البحث العكسي، التحقق من الأرشيفات، ومقارنة التواريخ والأماكن، لإثبات أن الصورة خارجة عن السياق أو تم استخدامها في واقعة مختلفة.
كيف نحمي أنفسنا من الصور المضللة؟
التحقق من المصدر: لا تتفاعل مع الصور الصادمة قبل التأكد من مصدرها.
استخدم البحث العكسي: مثل Google Images أو TinEye.
تابع منصات التحقق: واطلع على التقارير التي تنفي أو تؤكد الأخبار.
أبلغ عن المنشورات المضللة: على فيسبوك أو تويتر أو إنستغرام.
ليست كل صورة كما تبدو
تُظهر هذه الظاهرة بوضوح أننا نعيش في زمن لا يمكن فيه الوثوق المطلق بما نراه. فالصورة، التي كانت تُعرف بـ”دليل لا يُكذّب”، أصبحت اليوم أداة سهلة في يد من يسعى لتضليل الرأي العام، أو كسب تفاعل غير مستحق.
يبقى الحل في نشر الوعي الإعلامي، وتعزيز ثقافة التحقق قبل التفاعل، فالضغط على زر “مشاركة” قد يبدو بسيطًا، لكنه قد يسهم في تضليل الآلاف.





