توغّل إسرائيلي غير مسبوق في العمق السوري.. عملية “الأخضر-الأبيض” ومآلاتها

كتب: أشرف التهامي

كشفت وسائل إعلام إسرائيلية مؤخرًا عن عملية عسكرية جرت بسرية تامة داخل الأراضي السورية، أطلق عليها اسم “الأخضر-الأبيض”، نفذتها وحدات من جيش الاحتلال الإسرائيلي، وعلى رأسها “لواء الجبل” وكتيبة الاحتياط الدرزية “هراف 299″، بعمق غير مسبوق وصل إلى نحو 38 كيلومترًا داخل سوريا، وعلى بُعد عشرة كيلومترات فقط جوًا من العاصمة دمشق.

ورغم أن الجيش الإسرائيلي قدّم العملية كخطوة احترازية لجمع الأسلحة ومنع وقوعها في أيدي خصومه، إلا أن السياق الجغرافي، وطبيعة القوات المشاركة، والتوقيت السياسي، تفتح جميعها الباب أمام تساؤلات أعمق حول الأهداف الحقيقية لهذا التوغل، الذي يُعدّ الأكبر منذ حرب أكتوبر 1973.

سياق العملية: انهيار النظام وفراغ أمني على الحدود

جاءت العملية في أعقاب ما وصفه الإسرائيليون بـ”الفراغ الأمني” الذي خلّفه انهيار النظام السوري في بعض المناطق الحدودية، وخاصة في جبل الشيخ ومحيطه، حيث انسحبت وحدات من جيش النظام تاركةً خلفها مستودعات أسلحة ومعسكرات كاملة غير مأهولة.

في ظل هذه الفوضى، ووسط تقارير استخباراتية عن انتشار أسلحة في أيدي مدنيين وجماعات مسلحة، بادرت قوات من جيش الاحتلال بالدخول إلى العمق السوري بزعم منع تسرب الأسلحة إلى حزب الله، و”حماية” القرى الدرزية القريبة من دمشق، والتي تعرضت لهجمات من جماعات مسلحة متطرفة.

تفاصيل العملية الميدانية: من التسلل إلى الاستيلاء

المرحلة الأولى: جمع المعلومات والتحضير

على مدى أشهر، نفذ جيش الاحتلال عمليات استطلاع ومراقبة واختراق إلكتروني لمنطقة جبل الشيخ ومحيطه. وقد رُصدت قواعد عسكرية سورية مهجورة، بعضها لا يزال يحتوي على عتاد جاهز للاستخدام، مثل رشاشات متوسطة، قاذفات مضادة للدروع، ومدفعية قصيرة المدى.

المرحلة الثانية: التسلل الليلي

في عملية عسكرية دقيقة شارك فيها مئات الجنود من قوات الاحتياط، تقدّمت قوافل إسرائيلية تحت غطاء الظلام من مرتفعات الجولان إلى داخل سوريا، لتصل إلى عمق يقارب 38 كيلومترًا، قرب العاصمة دمشق.

تم تأمين الطريق عبر بطارية مدفعية إسرائيلية لأول مرة منذ عقود، في مؤشر على التصعيد النوعي في قواعد الاشتباك.

المرحلة الثالثة: الاستيلاء على القواعد وجمع الأسلحة

في منطقة تعرف بـ”القاعدتين الشبح”، وهي معسكران مهجوران تابعان للوائين سوريين، تم الاستيلاء على كميات ضخمة من السلاح، من بينها:

دبابات سوفيتية قديمة

صواريخ كاتيوشا من عيار 107 ملم

قاذفات RPG وصواريخ كورنيت

شاحنات عسكرية وأسلحة خفيفة

كما صادرت القوات شحنة أسلحة كانت في طريقها إلى منطقة شبعا اللبنانية، يُعتقد أنها تابعة لتاجر سلاح على صلة بحزب الله.

المرحلة الرابعة: التنسيق مع دروز المنطقة

خلال المهمة، التقى الجنود الإسرائيليون بسكان محليين من الطائفة الدرزية في قرية الرحالة، الذين رحبوا بهم وقدموا معلومات عن مخابئ الأسلحة مقابل مساعدات إنسانية ومعدات طبية وغذائية. كما رافق بعض القرويين القوات في جولات ميدانية داخل القرى المهجورة والمواقع العسكرية المتروكة.

البُعد الطائفي: حماية حقيقية أم توظيف سياسي؟

يقدّم جيش الاحتلال في روايته أن أحد دوافع العملية هو “حماية المجتمعات الدرزية” في محيط دمشق من بطش الجماعات المتطرفة. غير أن هذا الادعاء يبدو منسجمًا مع استراتيجية إسرائيلية قديمة بتوظيف الأقليات الطائفية في الجغرافيا السورية واللبنانية، لاستخدامها كورقة ضغط في المعادلة الإقليمية.

وقد شاركت في العملية كتيبة درزية من الاحتياط، ما يعكس سعيًا لشرعنة التوغل أمام الرأي العام، ومحاولة لإضفاء طابع إنساني على تدخل عسكري له أبعاد أوسع بكثير.

الاعتبارات الجيوسياسية: جبل الشيخ كمفتاح للمنطقة

من الناحية الاستراتيجية، يشكل جبل الشيخ نقطة تحكّم حيوية على مثلث الحدود بين سوريا ولبنان وفلسطين المحتلة. ويمنح السيطرة عليه:

مراقبة الطريق السريع بين دمشق وبيروت

رصد أنشطة حزب الله في سهل البقاع

تغطية مناطق إطلاق محتملة لصواريخ على الجولان

القدرة على اعتراض طرق تهريب الأسلحة من سوريا إلى لبنان

لذلك، فإن سعي إسرائيل للسيطرة على الجبل لا يرتبط فقط بالحالة الأمنية المؤقتة، بل يبدو أنه جزء من مشروع عسكري طويل الأمد.

قراءة في الأهداف غير المُعلنة

رغم الطابع العسكري الظاهر للعملية، إلا أن تحليل مجمل التفاصيل يكشف عن أهداف أكثر تعقيدًا، قد تشمل:

توسيع هامش المناورة العسكرية داخل سوريا دون رد من النظام أو حلفائه.

ترسيخ خطوط اشتباك جديدة تتجاوز حدود اتفاق فك الاشتباك لعام 1974.

تجريب وحدات جديدة من الاحتياط في ميدان غير تقليدي، استعدادًا لصراع أوسع مع حزب الله أو إيران.

اختبار توازن القوى في المنطقة في ظل تراجع الدور الروسي وتغيّر معادلات السيطرة.

استخدام ورقة الدروز كورقة تفاوض مستقبلية في أي تسوية إقليمية بشأن الجولان أو جنوب سوريا.

تحّول نوعي في قواعد اللعبة العسكرية

عملية “الأخضر-الأبيض” تكشف عن تحول نوعي في قواعد اللعبة العسكرية والأمنية شمال الجولان. فإسرائيل لم تعد تكتفي بعمليات جوية أو اغتيالات دقيقة، بل باتت تنفذ توغلات برية واسعة في العمق السوري، تحت ذرائع أمنية وإنسانية.

غير أن هذا التحول يحمل في طياته مخاطر كبيرة على استقرار المنطقة، خاصة مع تصاعد التوترات مع حزب الله، والانكشاف المستمر للحدود السورية أمام الطموحات الإسرائيلية، في ظل غياب دولة سورية مركزية.

ففي الوقت الذي تنشغل فيه دمشق بمداواة جراحها، تواصل إسرائيل إعادة ترسيم خرائط النفوذ على طريقتها، وبلا مقاومة تُذكر حتى الآن.

طالع المزيد:

تقرير إسرائيلى يناقش المساعدات الإنسانية المقدمة للسويداء

زر الذهاب إلى الأعلى