د. محمد إبراهيم بسيوني يكتب: هل العمود الفقري عيب صناعة؟

بيان

يتكرر في بعض الكتابات المعاصرة الطرح القائل بأن العمود الفقري الإنساني “ليس مثاليًا”، وأن مشاكله الصحية دليل على أنه نتاج رحلة تطورية مضطربة، لا تصميم متقن من خالق حكيم. هذا الطرح في ظاهره يبدو علميًا (scientific)، لكنه في العمق يقوم على مغالطات منطقية وعلمية، بل ويكشف تناقضًا بين محاولة نفي الإيمان بالخالق من جهة، والاعتماد على نظرة سطحية وانتقائية للتشريح البشري (Human Anatomy) من جهة أخرى.

أولًا: العمود الفقري (spinal column) ليس مجرد “دعامة” مستقيمة، بل هو بناء معقد يتكون من 33 فقرة متدرجة في الحجم والشكل، متصلة عبر الأقراص الغضروفية (intervertebral discs)، ومثبتة بأربطة وأوتار وعضلات.

هذا البناء يحقق معادلة صعبة: القوة مع المرونة (strength with flexibility). فهو قادر على حمل الرأس والجذع والأحشاء في وضعية الانتصاب، وفي الوقت نفسه يسمح بالحركة والانحناء والدوران.

ولو كان مجرد عمود صلب كما يتخيله بعض دعاة التطور، لكان أكثر هشاشة وأقل قدرة على الحركة، ولأدى أي كسر صغير فيه إلى شلل كامل (paralysis).

ثانيًا: الانحناءات الطبيعية (S-curve) في العمود الفقري ليست “نقطة ضعف”، بل هي نظام امتصاص للصدمات (shock-absorbing system) هندسي بديع لتوزيع الأحمال. هذه الانحناءات هي التي تسمح للإنسان بالمشي على قدمين (bipedalism) والجري والقفز، وتحمي الدماغ من الارتجاج مع كل خطوة.

حتى في الهندسة الإنشائية (structural engineering)، لا يُصمم أي هيكل لحمل وزن رأسي ثقيل بخط مستقيم، بل بانحناءات وتوزيعات دقيقة لتحقيق التوازن الديناميكي (dynamic balance).

ثالثًا: أمراض العمود الفقري مثل الانزلاق الغضروفي (herniated disc) أو تآكل الأقراص (degenerative disc disease) ليست “دليلًا على عيب”، بل نتيجة طبيعية لعوامل مثل التقدم في العمر (aging)، ونمط الحياة (lifestyle)، وسوء التغذية (poor nutrition)، وقلة الحركة (lack of exercise)، أو التحميل الزائد (overloading).

هذه ليست أخطاء في التصميم، بل جزء من طبيعة المادة العضوية (biological material) التي تخضع للزمن والاستعمال. مثلما أن إطارات السيارة تتآكل مع السير الطويل، دون أن نقول إن السيارة معيبة في التصميم.

رابعًا: القول بأن رفض نظرية التطور (theory of evolution) يعني اتهام الخالق بوجود “عيوب صناعة” هو استنتاج متعسف. فالعقيدة الإسلامية تنص على أن الله خلق الإنسان في “أحسن تقويم” (the best form)، وهذا لا يعني أنه بلا ضعف أو مرض، بل أن جسده مهيأ تمامًا لوظيفته على الأرض.

المرض والشيخوخة والموت ليست عيوبًا، بل جزء من دورة الحياة الطبيعية (natural life cycle) لحياة محدودة تنتهي بالبعث والحساب.

خامسًا: نظرية التطور ليست “حقيقة راسخة” (established fact)، بل إطار تفسيري علمي (scientific framework) محل جدل واسع.

نعم، هناك تطبيقات عملية لبعض آلياتها مثل الانتخاب الطبيعي (natural selection) والتكيف (adaptation)، لكنها لا تقدم تفسيرًا كاملًا لأصل الإنسان ولا تنفي دقة التصميم.

إن محاولة تفسير كل مشكلة صحية عبر “التطور” ليست إلا انحيازًا تأكيديًا (confirmation bias) يهدف إلى فرض النظرية على كل الظواهر.

الخلاصة: العمود الفقري ليس عيبًا تطوريًا ولا عيب صناعة، بل تحفة هندسية حيوية (masterpiece of bioengineering) توازن بين القوة والمرونة.

مشاكله الصحية ليست دليلًا على قصور، بل انعكاس لسنن الحياة الطبيعية. أما تحويل ذلك إلى حجة لصالح التطور، فهو تعسف فكري أكثر من كونه برهانًا علميًا. والعجيب أن من يرى في العمود الفقري دليلاً على “فشل التطور”، لا يرى في ملايين التفاصيل الدقيقة التي يعمل بها الجسد يوميًا بلا خلل برهانًا على وجود مصمم حكيم (intelligent designer).

 اقرأ أيضا للكاتب:

زر الذهاب إلى الأعلى