عاطف عبد الغنى يكتب: الحرب توقفت فى غزة واندلعت فى تل أبيب
بيان
سوف يسجل التاريخ أنه في العاشر من أكتوبر 2025، طُوي فصل دامٍ من فصول الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، ودخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في غزة، بعد حرب تُعد الأطول والأعنف في تاريخ القطاع، حرب التهمت عامين كاملين من الدم والدمار، انتهت بمشهد غير مسبوق: نصر ميداني وشعبي في غزة، وهزيمة سياسية مدوية في تل أبيب.
في غزة، سكنت أصوات القصف للمرة الأولى منذ عامين، وبدأت الحياة تحاول التقاط أنفاسها على أنقاض الخراب.
وجوه أنهكها الحصار والتهجير، لكنها لم تفقد بريق الانتصار.
تكبيرات في الشوارع، وعناق للعائدين إلى أحيائهم المدمّرة، ومشاهد تُعيد إلى الأذهان معنى الصمود الفلسطيني الذي لا يعرف الانكسار.
إنها لحظة تاريخية، لا تُقاس بموازين الخسائر المادية، بل بميزان الإرادة الشعبية التي قاومت حتى الرمق الأخير.
وعلى الجانب الآخر من المشهد، صارت إسرائيل تعيش واحدة من أكثر لحظاتها السياسية ارتباكًا منذ تأسيسها.
جلسة الكنيست التي خُصصت أمس الجمعة لمناقشة اتفاق وقف إطلاق النار تحولت إلى ساحة اشتباك علني بين نواب الائتلاف والمعارضة، بل حتى داخل الكتلة الحاكمة نفسها.
الاتهامات طالت الجميع، الحكومة، الجيش، واليمينى المتطرف المتعجرف رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو شخصيًا.
نواب من حزب “أوتسما يهوديت” وصفوا الاتفاق بأنه “انحناء واستسلام”، فيما اتهمت المعارضة نتنياهو بإدارة الحرب لأهداف انتخابية لا علاقة لها بالأمن القومي.
الصحافة العبرية لم تتردد في وصف ما يجري بأنه “انفجار سياسي داخلي”، وأن إسرائيل تواجه أزمة قيادة غير مسبوقة، قد تطيح بحكومة نتنياهو وتفتح الباب أمام انتخابات مبكرة.
صحيفة “هآرتس” تحدثت صراحة عن “انكسار دولة تخفي خسائرها وتضلل شعبها”، بينما أظهرت استطلاعات الرأي تراجعًا حادًا في الثقة بالجيش والحكومة معًا.
مصادر إسرائيلية قريبة من محيط القرار كشفت عن حقائق صادمة حول إدارة الحرب، منها إخفاء أعداد القتلى الحقيقيين داخل غزة، والتلاعب بالبيانات العسكرية، وحتى ترك وحدات محاصرة بلا إمدادات لأسباب سياسية.
شهادات مؤلمة تؤكد أن الحرب لم تُدار بعقلية دولة تسعى إلى الأمن، بل بعقلية زعيم يسعى إلى البقاء في السلطة، ولو على جثث جنوده.
إن ما حدث في غزة لم يكن مجرد معركة عسكرية، بل منعطف تاريخي في الوعي الإقليمي.
وبينما فشلت إسرائيل في تحقيق أهدافها السياسية والعسكرية، استطاع الفلسطينيون – رغم الدمار والحصار – أن يثبتوا للعالم أن إرادة الشعوب لا تُقصف. خرجت غزة من تحت الركام، لكنها خرجت مرفوعة الرأس، تحمل ذاكرة الصمود لا ذاكرة الهزيمة.
اليوم، وبينما ينسحب الجيش الإسرائيلي من مدن القطاع، تتحرك موجات العودة الكبرى شمالًا، على الطرق المدمرة نفسها التي شهدت النزوح، مئات الآلاف من الغزيين يعودون سيرًا على الأقدام، بأمتعة قليلة وقلوب مثقلة، لكنهم يعودون إلى أرض لم تنكسر، وإلى ذاكرة لا تموت.
لقد انتهت الحرب في غزة، نعم.. لكنها بدأت الآن داخل إسرائيل.. حرب من نوع آخر: حرب الروايات، والحقائق، والمحاسبة.
ولعلها المرة الأولى منذ حرب أكتوبر 1973 ، التي يشعر فيها الإسرائيليون أن الصراع لم يعد على حدود غزة، بل في عمق دولتهم نفسها.





