أمل محمد أمين تكتب: الهجرة غير الشرعية.. عندما يصبح البحر أرحم من الواقع
بيان
لم يعد غرق قارب للهجرة غير الشرعية خبرًا صادمًا بقدر ما أصبح وجعًا متكررًا، لكن ما حدث جنوب جزيرة كريت يعيد طرح السؤال المؤلم ذاته: كيف وصلنا إلى مرحلة يركب فيها أطفال وشباب في عمر الزهور قوارب الموت بحثًا عن مستقبل مجهول؟ حادث أسفر عن وفاة 14 مصريًا، وفقدان 13 آخرين، بينما نجا اثنان فقط، أغلبهم تتراوح أعمارهم بين 13 و18 عامًا، في مأساة لا يمكن التعامل معها كواقعة عابرة أو قدر محتوم.
في رأيي، ليست المشكلة في البحر ولا في سوء الأحوال الجوية، بل في واقع اجتماعي واقتصادي يدفع البعض للاعتقاد بأن الهروب خارج الوطن، مهما كانت مخاطره، أقل قسوة من البقاء داخله. هؤلاء الشباب لم يخرجوا بحثًا عن الرفاهية، بل هربًا من شعور عميق بالعجز، ومن واقع يرونه مغلق الأبواب أمام أحلامهم البسيطة.
الأخطر في هذه المأساة ليس عدد الضحايا فحسب، بل أعمارهم الصغيرة، ما يكشف عن خلل مضاعف في منظومة الحماية الاجتماعية والوعي الأسري والمجتمعي. كيف يُسمح لطفل في الثالثة عشرة أن يقتنع بأن مستقبله قد يكون في قارب متهالك وسط البحر؟ وكيف تنجح شبكات الهجرة غير الشرعية في بيع الوهم بسهولة، بينما تعجز مؤسساتنا أحيانًا عن تقديم الأمل؟
لا يمكن إنكار جهود الدولة في إدارة الأزمة، من تحرك السفارة المصرية في اليونان، والتواصل مع أسر الضحايا، وتقديم الدعم للناجين، وتحمل نفقات إعادة الجثامين، لكن إدارة المأساة بعد وقوعها، مهما كانت إنسانية، لا تعفي من مسؤولية منع تكرارها. فالمشكلة أعمق من حادث، وأكبر من مركب غارق.
من وجهة نظري، فإن مواجهة الهجرة غير الشرعية تبدأ من الداخل، من القرى المهمشة، ومن المدارس التي لا تزرع في الطلاب سوى فكرة الشهادة دون مهارة، ومن إعلام يسلط الضوء على النجاح في الخارج أكثر مما يسلط الضوء على فرص البناء في الداخل. تبدأ حين يشعر الشاب أن له مكانًا في وطنه، وأن مستقبله ليس مرهونًا بعبور البحر أو الهروب عبر طرق غير آمنة.
نحتاج إلى خطاب صادق لا يكتفي بتخويف الشباب من الموت، بل يفتح أمامهم أفق الحياة. نحتاج إلى فرص عمل حقيقية، وتدريب مهني محترم، ونماذج نجاح محلية تُروى بصدق، لا شعارات تُرفع وقت الأزمات فقط. كما نحتاج إلى مواجهة حاسمة مع سماسرة الهجرة الذين يتاجرون بدماء الأبرياء، دون تساهل أو تبرير.
في النهاية، غرق مركب كريت ليس مجرد حادث مؤلم، بل رسالة قاسية تقول لنا إن بعض شبابنا بات يرى البحر أرحم من الواقع. وإذا لم نُصغِ جيدًا لهذه الرسالة، فقد نقرأ أسماء جديدة في قوائم الضحايا، ونكتب مقالات جديدة، دون أن يتغير شيء.





