عبد الغني: ملف مقاتلي «داعش» ليس أمنيًا فقط.. بل اختبار للسيادة والعدالة الدولية

كتب: على طه

أكد الكاتب الصحفي عاطف عبد الغني، رئيس تحرير “موقع بيان”، ومدير تحرير “مجلة أكتوبر”، أن ملف مقاتلي تنظيم «داعش» المحتجزين في شمال شرق سوريا والمنقولين إلى العراق، يُعد من أكثر الملفات تعقيدًا وتشابكًا في المنطقة، مشددًا على أنه لا يمكن اختزاله في بعد أمني فقط، بل يتقاطع فيه البعد الأمني مع الإنساني والسياسي والقانوني، فضلًا عن تضارب المصالح بين الأطراف المنخرطة فيه، جاء ذلك خلال استضافته في حلقة الاثنين من برنامج «المشهد» المذاع على قناة النيل للأخبار، تقديم الإعلامي فوزي مخيمر

وأوضح عبد الغني أن هذا الملف يتحرك داخل بيئة إقليمية شديدة الاشتعال، ما يجعله محكًا حقيقيًا لترتيبات الأمن الإقليمي ومستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط، خاصة في ظل تعدد الفاعلين الدوليين والإقليميين وتباين حساباتهم.

الولايات المتحدة: هواجس أمنية ومصالح متحركة

وحول الدور الأمريكي، أشار عبد الغني إلى أن واشنطن تنظر إلى الملف من زاوية المصلحة الاستراتيجية والأمن الوقائي، موضحًا أن الولايات المتحدة تعيد ترتيب وجودها العسكري في المنطقة، وسحبت بالفعل قواتها من بعض القواعد خلال الفترة الماضية، لكنها تخشى في الوقت ذاته من فقدان السيطرة الأمنية، خاصة مع وجود سجون تضم عناصر شديدة الخطورة من تنظيم داعش.

وأضاف أن الولايات المتحدة كانت في فترات سابقة موضع اتهام بدعم جماعات متطرفة، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تحت ذرائع متعددة، وهو ما يفسر القلق الأمريكي الحالي من أن يتحول هؤلاء المقاتلون، حال انفلاتهم، إلى قوة معادية تستهدف المصالح الأمريكية نفسها، أو تنخرط ضمن قوى مقاومة في المنطقة.

وأكد أن واشنطن تخشى تكرار سيناريو «انقلاب السحر على الساحر»، أي أن العناصر التي جرى توظيفها أو التغاضي عنها في مراحل سابقة، قد تعود اليوم في صورة تهديد مباشر.

العراق بين السيادة والمخاوف الأمنية

وبالانتقال إلى الموقف العراقي، أوضح عبد الغني أن بغداد تصف عملية نقل عناصر داعش بأنها نقل مؤقت بغرض إعادة المحاكمة داخل الأراضي العراقية، وهو توصيف يعكس حساسية داخلية كبيرة تجاه هذا الملف.

وأشار إلى أن الإشكالية الأساسية تكمن في أن هؤلاء المقاتلين ينتمون إلى جنسيات متعددة، في وقت لا يُعد فيه العراق طرفًا في نظام المحكمة الجنائية الدولية، ما يثير تساؤلات حول آليات الرقابة القانونية الدولية على هذه المحاكمات، ومن يضمن توافقها مع المعايير الدولية.

وأضاف أن جرائم داعش تُعد بطبيعتها جرائم عابرة للحدود، إذ ارتُكبت على الأراضي العراقية والسورية في ظل غياب فعلي للحدود خلال فترة تمدد التنظيم، ما يمنح العراق، من وجهة نظره، حقًا قانونيًا أصيلًا في محاكمة المتورطين، لا سيما أن الجزء الأكبر من الجرائم وقع داخل الأراضي العراقية.

من سجن أبو غريب إلى مخيم الهول

واستعرض عبد الغني الخلفية التاريخية لعودة داعش، مذكرًا بهروب مئات العناصر من سجن أبو غريب وسجون أخرى عام 2013، وهو الحدث الذي مثّل نقطة تحول خطيرة أسهمت في إعادة بناء التنظيم وتمدد سيطرته لاحقًا على ما يزيد عن 40% من الأراضي العراقية.

وأوضح أن معظم القيادات والعناصر التي أُعيد اعتقالها لاحقًا جرى احتجازها في مخيم الهول، وهو مخيم اعتقال لا يخضع لسيادة دولة، بل لإدارة قوات سوريا الديمقراطية، ما جعله – حسب وصفه – ورقة سياسية تُستخدم للابتزاز، سواء تجاه الاتحاد الأوروبي أو للحصول على دعم أمريكي وأوروبي مالي وسياسي.

وأشار إلى أن غالبية الدول الأوروبية رفضت استعادة رعاياها المحتجزين في المخيم، باعتبارهم «قنابل موقوتة»، خاصة أن كثيرين منهم مجنسون وليسوا مواطنين أصليين، وهو ما أدى إلى احتجازهم لسنوات دون محاكمة، في مخالفة صريحة للقانون الإنساني الدولي، وفق تقارير منظمات حقوقية.

المخاطر الحالية: انفلات أمني محتمل

ولفت عبد الغني إلى أن التطورات العسكرية الأخيرة في سوريا، وتصاعد حدة المواجهات، أعادت المخاوف من احتمال انهيار منظومة الحراسة في السجون والمخيمات، وهو ما قد يسمح بهروب عناصر داعش وإعادة تشكيل التنظيم، بما يشكل تهديدًا مباشرًا لأمن سوريا والعراق والمنطقة بأسرها.

وأكد أن هذا السيناريو يمثل أحد المبررات الأساسية التي تُساق لتفسير قرار نقل عناصر داعش إلى العراق، رغم التحفظات الشعبية والسياسية داخل العراق نفسه.

العراق: خبرة أمنية واستعداد مشروط

وشدد عبد الغني على أن العراق يمتلك خبرة أمنية وقانونية واسعة في التعامل مع هذا الملف، مستشهدًا بإعادة نحو 3000 عنصر من داعش من سوريا خلال عامي 2018 و2019، ونجاحه في احتجازهم داخل سجون مؤمنة.

وأوضح أن العراق لا ينكر حاجته إلى دعم تقني ولوجستي ومالي من المجتمع الدولي، لكنه يؤكد قدرته على السيطرة على هذه العناصر ومنع تمددها مجددًا، حمايةً لأمنه القومي وأمن دول الجوار، بل وأمن القوات الأمريكية نفسها الموجودة في المنطقة.

محاكمات القادة والبعد الإنساني

وفي الجزء الثاني من الحوار، أوضح عبد الغني أن عناصر داعش لا يُعدّون أسرى حرب بالمعنى القانوني، بل إرهابيين ارتكبوا جرائم جسيمة، ويخضعون لقانون مكافحة الإرهاب العراقي، مؤكدًا أن الجزء الأكبر من الجرائم وقع داخل العراق.

وأشار إلى أن معظم من نُقلوا مؤخرًا هم من القيادات البارزة للتنظيم، بينما جرى الإفراج عن عدد من القُصّر، لافتًا إلى أن أكثر من 60% من قاطني مخيم الهول هم من النساء والأطفال، كثير منهم ينتمون إلى الجيلين الثاني والثالث من عائلات التنظيم، وبعضهم مجهولو النسب.

وأكد أن العراق يتعاطى مع هذا الملف بمبدأ التفريق لا التعميم، عبر فصل القيادات والعناصر المتورطة عن النساء والأطفال، وفتح الباب أمام الدول الراغبة في استعادة رعاياها، سواء لتخفيف العبء عن العراق أو لمعالجة البعد الإنساني.

نحو مقاربة دولية شاملة

وختم عبد الغني بالتأكيد على أن العراق لن يتحمل هذا الملف منفردًا، مشددًا على أن بغداد ستلجأ إلى الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لطلب دعم قانوني وسياسي ومادى، في إطار مقاربة دولية شاملة تضمن العدالة، وتحمي الأمن، وتمنع تكرار سيناريو الفوضى الذي سبق عام 2016.

وأشار إلى أن محاكمة هذه العناصر قد تكشف معلومات استخباراتية بالغة الأهمية، تسهم في تفكيك ما تبقى من خلايا التنظيم، ومنع عودته في صورة أكثر عنفًا، مؤكدًا أن التعامل مع الملف يجب أن يتم بـ«هدوء منظم»، لا بردود فعل متسرعة، حفاظًا على أمن المنطقة ومستقبلها.

شاهد الحلقة:

طالع المزيد:

زر الذهاب إلى الأعلى