القس بولا فؤاد رياض يكتب: لماذا هرب يونان من تنفيذ أمر الله؟
بيان
اعتادت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ومعها العديد من الكنائس الأخرى أن تصوم ثلاثة أيام تُعرف بصوم أهل نينوى الذين تابوا بمناداة نبي الله يونان، وذلك لتهيئة المؤمنين بالتوبة قبل بدء الصوم الكبير. فما هي قصة يونان؟ وما هي توبة أهل نينوى؟ وما هي الدروس المستفادة؟
نينوى، أي عاصمة مملكة أشور، كانت ألد أعداء إسرائيل (شعب يونان)، فكان يونان يتمنى خرابها. بل بعد أن عاد وأنذرها جلس أمام المدينة منتظرًا خرابها.
ربما خاف يونان من شر الأشوريين، فهم قوم دمويون، وربما قتلوه لو أنذرهم.
كان أحد ملوكهم، حين أيقن أن ملك بابل سيهزمه، قد جمع كل نسائه في القصر وأحرقهن.
وكانوا يسلخون الأسرى وهم أحياء، ويقطعون رؤوس البعض ويعلقونها في أعناق الأحياء الآخرين، ويلهون بقطع أنوف وآذان وأيدي الأسرى، ويضعون الرؤساء والأمراء المهزومين في أقفاص ويعرضونهم للهزء.
كان يونان يعرف أن الله رحيم وسيقبل توبتهم، فيظهر هو أمامهم ككاذب.
ذهابه إلى ملك أشور قد يُعتبر خيانة لملك إسرائيل.
ربما اتهمه الأشوريون بالتجسس للعدو.
ذهابه لشعب وثني كان ضد فكر ومزاج شعب إسرائيل، الذين كانوا يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار، وبذلك يسقط يونان في نظر شعبه (الشعب والكهنة والأنبياء).
كان يتمنى بالأولى أن يرسله الله إلى شعب إسرائيل فيعظمه الشعب، مع أن الله بعد نجاحه في مهمته مع نينوى عيّنه نبيًا لشعب إسرائيل.
مع كل هذه الأسباب، هل كان يونان محقًا في هروبه ورفضه لوصية الله؟
قطعًا لا:
الله لا يخطئ، وكان يعلم أن مهمة يونان ستنجح.
حين يُرسل الله رسولًا أو يعطي إنسانًا وصية، يعطيه أيضًا إمكانيات إتمام العمل، وهذا ما نسميه وزنات أو مواهب:
«لِيَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ مَا أَخَذَ مَوْهِبَةً يَخْدِمُ بِهَا بَعْضُكُمْ بَعْضًا، كَوُكَلَاءَ صَالِحِينَ عَلَى نِعْمَةِ اللهِ الْمُتَنَوِّعَةِ» (1بط 4: 10).
«إِنْ كَانَ يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ فَكَأَقْوَالِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ يَخْدِمُ أَحَدٌ فَكَأَنَّهُ مِنْ قُوَّةٍ يَمْنَحُهَا اللهُ، لِكَيْ يَتَمَجَّدَ اللهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ…» (1بط 4: 11).
هل يجب أن ينجح الخادم الذي يُرسله الله؟
يونان نجح، وتاب شعب نينوى ونجوا من الهلاك.
السيد المسيح نفسه نجح مع قلة، ورفضه الباقون، لكن رسالته غيّرت وجه العالم.
إرميا لم ينجح مع أحد، ورفضه الجميع، لكن عن طريقه أنذر الله الشعب بخراب أورشليم والهيكل وذهابهم إلى السبي إن لم يتوبوا، فتبرر الله في أحكامه لأنه أنذر قبل أن يضرب. لذلك يقول داود النبي:
«لِكَيْ تَتَبَرَّرَ فِي أَقْوَالِكَ وَتَغْلِبَ إِذَا حُوكِمْتَ» (مز 51: 4).
وهذا هو أسلوب الله دائمًا: ينذر قبل أن يضرب.
أمثلة:
أُرسِل يونان فتابت نينوى ونجت، لكن بعد مئة سنة عادت لشرور أفظع، فأرسل الله ناحوم النبي، ولم تتب، فاحترقت بيد ملك بابل.
أنذر الله سدوم وعمورة بعدة ضربات خفيفة قبل أن يحرقهما.
وماذا يحدث لمن يرفض وصية الله؟
قام يونان ليهرب إلى ترشيش من وجه الرب، فنزل إلى يافا، ووجد سفينة ذاهبة إلى ترشيش، ونزل فيها. فأرسل الرب ريحًا، فخاف الملاحون، وأما يونان فكان قد نزل إلى جوف السفينة واضطجع ونام نومًا ثقيلًا.
نلاحظ أنه نزول مستمر، كأن إنسانًا يتدحرج على سفح جبل ويعرض نفسه للهلاك.
النوم هنا يعبّر عن عدم الشعور بإنذارات الله.
البحارة الوثنيون أيقظوه وطلبوا منه أن يصلي لإلهه. يا للعار! وثنيون يشعرون بغضب الله، ونبي الله لا يشعر، لأنه نزل عن مستواه الروحي وفقد الإحساس بصوت الله.
هل يترك الله أولاده للهلاك؟
كما ردّ الله الابن الضال بالمجاعة، ردّ يونان بالرياح والنوء العظيم والحوت الذي ابتلعه.
لله وسائل متعددة نسميها التجارب، فالخليقة كلها تحت أمره. فهل ننتظر حتى يهيج العالم في وجوهنا أو يبتلعنا حوت العالم، أم نتوب؟
إذًا، ما معنى شعب الله المختار؟
هل الله تعامل فقط مع اليهود وترك بقية العالم؟
الله إله الخليقة كلها، يشرق شمسه على الأبرار والأشرار.
الكتاب المقدس يركّز على تعاملات الله مع اليهود، لكنه يُظهر أيضًا تعامل الله مع كل الخليقة:
أ- أرسل يونان لشعب نينوى الوثني.
ب- أعطى بلعام النبي الوثني أجمل نبوات عن المسيح، وبواسطتها انتظر المجوس المسيح.
ت- ملكي صادق كان كاهنًا لله العلي وبارك إبراهيم.
ث- موسى تزوج من بنت يثرون كاهن مديان، واستفاد من حكمته (خر 18).
ج- أيوب وأصدقاؤه لم يكونوا يهودًا، وكان الله يكلمهم مباشرة.
ح- الله كلم أبيمالك وفرعون ونبوخذنصر بالأحلام، وأدّب نبوخذنصر حتى آمن (دا 4).
خ- رقة مشاعر البحارة في سفر يونان دليل على تعامل الله معهم.
د- أرسل إيليا إلى صيدون، وكان لإليشع رسالة مع أرام.
معنى شعب الله المختار:
كانوا مختارين ليُعدّ الله منهم الشعب الذي يأتي منه المسيح وأمه العذراء ورسله، وكانت لديهم النبوات، لذلك سمّاهم الآباء “أمناء مكتبة المسيحية”.
الكنيسة واحدة ممتدة من آدم حتى اليوم. ويشرح بولس الرسول في (رو 11) أن اليهود هم الزيتونة الأصلية، ومن آمن منهم بالمسيح ثبت، ومن رفض قُطع، أما الأمم فكانوا زيتونة برية، ومن آمن منهم طُعّم في الزيتونة الأصلية.
معنى نينوى المدينة العظيمة ومسيرة ثلاثة أيام:
نينوى العظيمة = نينوى الأصلية + رحوبوت + كالح + عير + رسن (تك 10: 11-12).
مسيرة ثلاثة أيام هي محيط المدينة الكبرى، ومسيرة يوم واحد هي محيط نينوى الأصلية حيث قصر الملك.
هذا السفر هو سفر حنان الله:
حنان الله على نينوى، إذ لا يُسرّ بموت الخاطئ بل أن يرجع ويحيا (حز 18: 23).
حنان الله على يونان، إذ أعاده بتأديب شديد: «مَنْ يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ» (عب 12: 6).
في أثناء التجربة أحاط الله يونان بالتعزيات (يون 2).
عامله الله بالحنان حتى بعد تذمره، وأعطاه درس اليقطينة.
امتد حنان الله حتى إلى البهائم:
«أَفَلاَ أَشْفِقُ أَنَا عَلَى نِينَوَى… وَبَهَائِمُ كَثِيرَةٌ» (يون 4: 11).
فضائل أهل السفينة:
رجال صلاة، وبسطاء، وعادلون، ورحماء، مترددون في إلقاء يونان رغم علمهم أنه السبب.
الله يبحث عن خلاص كل إنسان:
«الله يُرِيدُ أَنَّ الجَمِيعَ يَخْلُصُونَ» (1تي 2: 4).
«لِأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَال قَوْمًا» (1كو 9: 22).
الخليقة كلها تطيع الله، والريح والبحر والحوت والشمس واليقطينة والدودة أدوات في يده لخلاص الإنسان. حتى تمرد يونان استخدمه الله لخلاص البحارة، وطاعته لخلاص نينوى.
وجود يونان في جوف الحوت ثلاثة أيام كان رمزًا لوجود السيد المسيح في القبر ثلاثة أيام.
عجيب أنت حقًا يا رب في محبتك وشفقتك على خليقتك.
……………………………………………………………………..
كاتب المقال: كاهن كنيسة مارجرجس المطرية – القاهرة





