القس بولا فؤاد رياض يكتب: مصر الصائمة

بيان
فى مشهد يتكرر عامًا بعد عام، تتجاور فى شوارع مصر موائد الإفطار الرمضانية مع الصوم الكبير للمسيحيين. تتعانق أصوات التراتيل مع أذان المغرب، ويعيش الوطن إيقاعًا دينيًا إنسانيًا فريدًا، حيث يصوم المسلمون والمسيحيون معًا، كلٌّ بحسب تقليده وإيمانه. هذا التزامن ليس مجرد مصادفة زمنية، بل فرصة أخلاقية وروحية نادرة لطرح سؤال جوهري: ما الغرض الأسمى من الصوم؟
الصوم فى جوهره ليس امتناعًا عن الطعام بقدر ما هو امتناع عن التوحش. ليس حرمانًا للجسد بل تهذيبًا للإرادة. ليس طقسًا شكليًا بل تمرينًا على الحرية الداخلية. إنه إعلان أن الإنسان أكبر من شهواته، وأنه قادر أن يقول “لا” لما اعتاده، ليقول “نعم” لما يسمو به.
والغرض من الصوم أن يبلغ الإنسان حالة من اليقظة الأخلاقية الدائمة – وهي ما نحتاجه اليوم – إذ نرى انفلاتًا أخلاقيًا غير مسبوق متمثلًا فى حوادث التحرش والبلطجة. فالأمن والأمان حق أصيل لكل مواطن، والحفاظ عليه مسؤولية مشتركة.
الصوم هو فرصة رجوع إلى الله، وانحياز إلى الخير، وعودة إلى القلب: “متى صمتم فلا تكونوا عابسين… وأبوك الذى يرى فى الخفاء يجازيك علانية”؛ المعنى واضح: الصوم ليس استعراضًا، بل علاقة داخلية صادقة، لا تُقاس بطول ساعات الامتناع، بل بعمق التحوّل.
وحين يجوع الجسد، تتذكر الروح جوعًا أعمق: إلى العدل، إلى الرحمة، إلى الصفح، إلى المصالحة، إلى التسامح والغفران. فالصوم الحقيقى لا يكتفى بتغيير مواعيد الطعام أو نوعيته، بل يسعى إلى تغيير أنماط التفكير والسلوك.
لا قيمة لصوم يمتلئ فيه الفم بالصلاة بينما يمتلئ القلب بالكراهية، ولا معنى للامتناع عن اللقمة مع إطلاق العنان للظلم أو الإهانة أو الفساد.
ومن هنا يصبح الصوم مدرسة اجتماعية بقدر ما هو رياضة روحية. فالإحساس بالجوع يوقظ الضمير تجاه إخوتنا فى الإنسانية فى غزة والسودان والصومال واليمن وكل بقاع الأرض. حينها يصبح العطاء مشاركة فى الألم الإنساني، لا تفضّلاً. وفي لحظة الصوم يدرك الإنسان هشاشته، فيتعلم التواضع، ويختبر احتياجه، فيتعلم التضامن. لذلك اقترن الصوم عبر التاريخ بالصدقة، وكسر الأنانية، ومدّ الجسور بين البشر.
وفى السياق المصري، حيث تتجاور المآذن مع منارات الكنائس، يستطيع هذا التلاقي الزمني بين الأصوام أن يتحول إلى مساحة مشتركة للقيم الكبرى:
ضبط النفس بدلاً من الانفلات (كما رأينا في واقعة التعدي على فرد الأمن بالتجمع)، والرحمة بدل القسوة، والحوار بدل الاحتقان.
والصوم المشترك لا يعنى ذوبان الفوارق العقائدية، بل اكتشاف المشترك الإنسانى: أن كرامة الإنسان فوق كل خلاف، وأن تهذيب النفس مقصد تتفق عليه الأديان.
فالصوم ليس أن نشعر بالجوع، بل أن نشعر بالآخر. ليس أن نحصي الأيام حتى العيد، بل أن نحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب غيرنا. ليس أن نغير نظامنا الغذائي، بل أن نغير قلوبنا وأفكارنا: “تغيّروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم”.
وعندما ينتهي الصوم، يبقى السؤال:
هل خرجنا منه أقل كراهية؟ أصدق لسانًا؟ أعدل حكمًا؟ أرحم قلبًا؟
إن لم يتغير فينا شيء، صار صومنا عادة موسمية، أما إن تغيّر فينا ولو القليل، فقد بلغنا شيئًا من غاية الصوم الكبرى: تهذيب النفس، وتغيير السلوكيات، ومحبة الآخر في زمن يمتلئ بالضجيج والانقسامات والحروب.
يمنحنا تلاقي الأصوام فرصة هادئة لنراجع أنفسنا ونطرح سؤالًا بسيطًا وعميقًا:
أي إنسان تريد أن تكون؟
فالصوم في النهاية ليس امتحانًا للجسد بل امتحانًا للضمير.
نصلي أن يقبل الله أصوامنا وصلواتنا، وأن يحفظ بلادنا العزيزة مصر – رئيسًا وجيشًا وحكومة وشعبًا – وأن تبقى مصر دائمًا في خير وسلام وترابط إلى يوم الدين.
تحيا مصر… تحيا مصر.
……………………………………………………………………..
كاتب المقال: كاهن كنيسة الشهيد العظيم مارجرجس بالمطرية – القاهرة

زر الذهاب إلى الأعلى