عاطف عبد الغنى يكتب: هذا هو الإسلام (4 من 4).. ميزان لا يميل وعدل لا يُشترى
بيان
ما نراه الآن من أحوال الدنيا وصراع البشر الذي فاق في ضراوته صراع الوحوش في الغابات، وما نلمسه من خواءٍ روحي في العالم الذي يقدم نفسه نموذجًا للحضارة الحديثة والعلم، ويسعى لفرض نموذجه المعرفي قسرًا على كل الأديان والبشر؛ لهو المشروع والنموذج الذي ينتحر ذاتيًا قبل أن ينحر الآخرين.
وتكشف الحوادث كل حين عن مدى القبح والبشاعة الأخلاقية التي انحدرت إليها مجتمعات وسلوكيات وأفراد هذا النموذج، بسبب ابتعادهم عن منهج الله في الكون، أفلا يدعو ذلك العالم، ويدعونا معه، أن نعود إلى الله بحثًا عن الخلاص؟!.
.. وما من خلاصٍ إلا في دينه القويم ورسالته الخاتمة، آخر إرسال السماء إلى الأرض؛ دين الإسلام ونهجه، وسنة نبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وما أحوج الدنيا لهما – الآن – في زمنٍ تلاطمت فيه أمواج الحق والباطل، واختلطت قداسة الدين بطموحات السياسة.
ما أحوج الدنيا إلى “الإسلام الحق”؛ نورًا وهداية للبشرية، والإسلام الحق ليس أداةً في يد عابر، ولا شعارًا في معركةٍ على سلطةٍ زائلة، ولا اختراعًا بشريًا مزخرفًا بإيديولوجية براقة تخطف أبصار المسحورين بالباطل.
والإسلام الحق ليس “منتجًا زائفًا” يُفصّل على مقاس مصالح حزب، أو طائفة، أو جماعة، ولا هو بضاعة مستوردة من تجارب تاريخية مغلوطة، ولا يستمد شرعيته من صناديق الاقتراع المشوبة بالوعود الزائفة.
الإسلام الحق هو دينٌ يستمد شرعيته من الله، وجوهر رسالته التي حملها جبريل من رب العزة إلى محمد بن عبد الله ليبلغها للعالمين، قوامها صيحة تحرير البشر: أن يُخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
ولم تكن دعوة الانعتاق تلك مجرد شعار، بل هي ثورة على “جور المعتقدات” التي استعبدت عقول البشر، ونقلة نوعية من ضيق الدنيا وتكالبها المادي، إلى سعة الآخرة، ورحابة الإيمان، مصداقًا لقول الله تعالى: «لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ» (الحديد: 25).
هنا تكمن فلسفة الحكم والعدل في الإسلام؛ فالعدالة ليست وجهة نظر سياسية، والميزان إلهي لا بشري: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ، وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا، اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ» (المائدة: 8).
وفي منهج الله، لا توجد “دولة كبرى” تملك حق النقض (الفيتو) على دماء المستضعفين، ولا توجد أسواق تُباع فيها القيم لمن يدفع أكثر؛ فالعدل في الإسلام لا يُشترى، والكرامة حق أصيل منحها الخالق لكل إنسان، بغض النظر عن عرقه، أو لونه، أو لغته.
وما يشهده العالم اليوم من نفاق دولي، وانهيار لقيم القانون والسياسة، ليس إلا نتيجة طبيعية لمحاولة بعض من الخلق إرساء “عدالة بشرية” بمعزل عن الخالق، والنتيجة ماثلة أمام أعيننا: حروب تمزق الشعوب، وازدواجية في المعايير تخنق المظلومين، وقوانين دولية تُكتب بمداد المصالح والقوة، وتستبدل منهج الله بمقررات مجلس الأمن التي تخدم القوي.
وبين نفاق القوانين التي وضعها البشر، ورحابة المنهج الرباني، يبقى الإسلام هو الميزان الباقي ما بقيت السماوات والأرض.. فإما عودة صادقة لرحابه تضمن العزة، وإما تيهٌ في صحراء الماديات لا يورث إلا الهوان وضياع السيادة.





