شبراوى خاطر يكتب: تعليم الإعلام قضية حرجة جداً
بيان
بينما أحاول جديًا التفكير في الوضع الراهن للتعليم في مصر، وعلى وجه الخصوص تعليم علوم الإعلام والاتصالات التسويقية والعلاقات العامة.
ونحاول بقدر الاستطاعة فتح ملف هذه القضية (نعم، أعتبرها قضية، وقضية حرجة أيضًا)، ولقد قمنا بتنظيم منتدى يسلط الضوء على أحد جوانبه الأساسية، ألا وهي مد الجسور بين قادة مهنة العلاقات العامة الممارسين على أرض الواقع وبين رواد التعليم في بعض كليات الإعلام في الجامعات المصرية.
فتحنا هذا الملف ونحن ندرك تمامًا أن جزءًا كبيرًا من المناهج الدراسية المُدرَّسة اليوم لم يعد ذا صلة بالواقع.
فالطلاب ليسوا بحاجة إلى حفظ الحقائق والتواريخ عن ظهر قلب. أي طفل في الثامنة من عمره يمتلك هاتفًا ذكيًا (ومعظمهم يمتلكونه) يستطيع الحصول على هذه المعلومات في غضون ثوانٍ.
ما يحتاجه الطلاب هو تعليم يُساعدهم على تنمية مهارات التفكير النقدي والتفكير الكبير والاستراتيجي، التي تُهيئهم لمواجهة تحديات المهنة، وربما الحياة، عندما يتولون الدور المنوط بهم في أعمالهم ومؤسساتهم والمجتمع ككل.
ما يزيد المشكلة تعقيدًا على المستوى الأعلى هو أن نموذج الجامعة الحالي هو نموذج قديم تمامًا، نموذج تم تأسيسه لمواكبة زمن ولّى ولن يعود، فهو قائم على الكتب والفصول الدراسية والحُرُم الجامعية المترامية الأطراف، والتي أصبحت بديلًا عن النوادي الاجتماعية تجمع الأصدقاء والزملاء والأساتذة، حيث يتظاهرون بالتعليم والتعلم، بينما يسانده ويحافظ على بقائه النموذج الاستثماري للجامعات والمعاهد، القائم على استغلال الطلاب وذويهم، والسعي وراء الأصول الاستثمارية من أراضٍ ومرافق، عن طريق إلزام الطلاب بدفع أموال طائلة (في أحيان كثيرة لا يمتلكونها) من أجل الحصول على شهادة معتمدة لا تهم أي صاحب عمل يبحث عن مواهب حقيقية وقدرات فكرية متميزة.
وأرى أن أحد الأسباب الرئيسية لذلك هو العائد الاقتصادي الاستثماري، حتى إن المؤسسات التعليمية الحكومية أصبحت مرغمة على البحث عن تنمية موارد (غير حكومية) نتيجة للضغوط الاقتصادية التي تمر بها الدولة، وهذا الأمر نشهده في دول عديدة، ومنها دول من العالم المتقدم تتبع نظام الاقتصاد الحر.
تسعى الجامعات اليوم وراء امتلاك المرافق التعليمية، وتتنافس على الحصول على المال، وأكبر مصدر له هو الطلاب الذين ينوء أهاليهم تحت ضغوط مالية ضخمة وغير منطقية.
وبالفعل، وفي ظل التحولات التكنولوجية الشرسة، سيكتشف الفرائس من الطلاب وذويهم أن رهانهم على كسب شهادات تعليمية تقليدية معتمدة لضمان حصولهم على وظيفة جيدة كان رهانًا خاسرًا.
وكما أشار “راندي جاج” في كتابه الرائع (المخاطرة هي الأمان الجديد) قائلًا: لقد جعلت وتيرة التغيير المتسارعة من الصعب على نحو متزايد على المناهج الجامعية مواكبة العصر.
والعديد من الأساتذة لم يختبروا سوى ما يدرسونه في فراغ الأوساط الأكاديمية، وليس من خلال الخبرة العملية في العالم الحقيقي.
في المستقبل القريب، ستبدو شهادة الماجستير في إدارة الأعمال أو الدكتوراه من جامعة مرموقة ضعيفة نسبيًا مقارنةً بشهادة تدريب قوية عبر الإنترنت لمدة ستة أشهر في مجال متخصص، مثل برمجة ألعاب الفيديو، أو تصميم تطبيقات الهاتف المحمول، أو إصلاح محركات المركبات الفضائية.
وكيف تعتقد أن رواد الأعمال الأذكياء مثل مارك كوبان، وريتشارد برانسون، ومارك زوكربيرج سيوازنون بين الشهادات والمؤهلات العلمية والخبرة العملية أو مدى ملاءمة المرشح عند توظيفه في شركاتهم؟
وإليك تلميحًا من مدونة كوبان “بلوغ مافريك”، والمذكورة في نفس الكتاب:
بصفتي صاحب عمل، أريد أفضل الموظفين استعدادًا وتأهيلًا. لا يهمني إن كان مصدر تعليمهم معتمدًا من قبل مجموعة من كبار السن الذين يعتقدون أنهم يعرفون ما هو الأفضل للعالم.
أريد أشخاصًا قادرين على أداء العمل. أريد الأفضل والألمع، لا مجرد شهادة. سيتطور التعليم بنفس طريقة تطور عالم ريادة الأعمال؛ أولئك المستعدون للتفكير بشكل مختلف سيجدون فرصًا عظيمة، بل وسيقدمونها.
جامعة هاي بوينت في ولاية كارولاينا الشمالية ضاعفت عدد طلابها ثلاث مرات؛ لأنها تتصدى بجرأة لبعض هذه القضايا المهمة: إعداد الطلاب لمستقبل ناجح وذي قيمة، والانتقال من مجرد التدريب إلى تعليم شامل، ومنهج دراسي يركز على التعلم التجريبي، وعلى العيش القائم على القيم.
لقد بذلت بعض الجامعات جهودًا حثيثة لتكون ذات صلة في عالم سريع التغير، وشمل ذلك اتخاذ إجراءات مثل إضافة تخصصات كالألعاب التفاعلية، ومنح الطلاب المزيد من الخبرة من خلال التدريب الداخلي، وتوفير فرص للدراسة في 25 دولة، وتقديم تجارب خارج الحرم الجامعي في أماكن مثل البورصات لإثراء السياق، واستضافة قادة فكر مثل مالكولم جلادويل لمخاطبة الطلاب.
ويضيف “راندي جاج” قائلًا: “لكننا نعلم شيئًا واحدًا على وجه اليقين: إن تحقيق النجاح في الاقتصاد الجديد سيتطلب من الطلاب تحمل مسؤولية أكبر بكثير عن تعليمهم. سيحتاجون إلى جعله أقل تركيزًا على الشهادات وأكثر تركيزًا على التطبيق العملي”.
دول مثل الهند واليابان وكوريا وبعض الدول الآسيوية الأخرى تولي اهتمامًا متجددًا بالتعليم، فهي تُخرّج أعدادًا كبيرة من خريجي الجامعات المؤهلين تأهيلًا عاليًا في مجالات بالغة الأهمية، مثل البرمجة، والألعاب، والتكنولوجيا الحيوية، والهندسة البيئية، وريادة الأعمال (يُدرّسها رواد أعمال حقيقيون).
وفي الختام، لديّ لكم اعتراف ووعد؛ أما الاعتراف، فهو أنه على مدار مسيرتي المهنية الطويلة منذ عام 1985، لم تسألني أي شركة من الشركات التي عملت بها قبل تأسيس شركتي الخاصة عن مجرد صورة ضوئية من شهادتي الجامعية.
كل ما كان يهمهم هو أنني أستطيع تولي مهام وظيفتي. أما عن الوعد: فقد أخذنا على عاتقنا أن نواصل تبني ودعم هذه القضية، التي نؤمن، دون أدنى شك، بأن جهودنا لن تُهدر سدى، وحتماً سوف تؤتي أُكلها.
وسوف نواصل جمع الأطراف أصحاب المصلحة لمناقشة كافة جوانب هذه القضية، وإن لم نفعل ذلك، فمن يفعل؟





