سلاح «الردع المائي» المصري فى مواجهة تخبط سد النهضة وعشوائية “أديس أبابا”
كتب: على طه
بينما تنشغل وسائل الإعلام بالحديث عن جولات التفاوض العقيمة، والفشل الأثيوبى فى سد النهضة، كانت الدولة المصرية تهندس خطط استيراتيجية بديلة تفجر فيها الجبال الصخرية خلف السد العالي، لترسم واقعاً جديداً للأمن المائي المصرى.
والمقصود بما سبق ما يحدث في “مفيض توشكى” ووصفه أنه ليس مجرد “مشروع ري”، بل هو مشروع استيراتيجى يتم فيه “هندسة استباقية” لمواجهة أسوأ السيناريوهات القادمة من الهضبة الإثيوبية، وتحويل “خطر الفيضان” إلى “مخزون استراتيجي” يحمي جسد السد العالي ويؤمن مستقبل المصريين.
لماذا استنفرت القاهرة أجهزتها السيادية؟
لسنوات طويلة، ظل مفيض توشكى يعمل كصمام أمان “تقليدي” يستقبل المياه الزائدة عن منسوب 182 متراً فى السد العالى، لكن المتغيرات الأخيرة في إثيوبيا فرضت “تحديثاً جذرياً” للعقيدة المائية المصرية.
القاهرة استوعبت مبكراً أن إدارة “أديس أبابا” لسد النهضة انتقلت من مرحلة “بناء السد” إلى مرحلة “التخبط الفني والسياسي”؛ حيث أصبحت التصرفات المائية الإثيوبية “أحادية، مفاجئة، وغير منسقة”، مما يضع دول المصب أمام مخاطر “أمواج فيضانية” قد تضرب السودان وتضغط على جسد السد العالي في مصر.
“الفشل الفني” الإثيوبي.. محرك التحرك المصري
وتكشف صور الأقمار الصناعية الملتقطة للسد الأثيوبى، وتحليلات الخبراء حقيقة يحاول الجانب الإثيوبي إخفاءها؛ وهي “عجز السد الأثيوبى عن توليد الكهرباء” بالشكل المخطط له، فمع توقف معظم التربينات الـ 13 عن العمل نتيجة مشاكل فنية في التركيب، تحول “سد النهضة” من مشروع تنموي (كما يدعون) إلى مجرد “سد ركامي” يحجز المياه بشكل عشوائي.
هذا الفشل يجبر إثيوبيا في كل موسم فيضان على فتح بوابات الطوارئ بشكل مفاجئ لتفريغ المياه وتجنب انهيار السد، وهو ما يهدد سد “الروصيرص” السوداني القريب ويخلق حالة من “عدم اليقين المائي” في بحيرة ناصر.
هندسة “الـ 120 مليار متر مكعب”
ولم تنتظر الدولة المصرية أمام هذا التهديد، وجاء القرار السيادي بتوسيع وتعميق مفيض توشكى بالتعاون بين وزارة الري والهيئة الهندسية للقوات المسلحة.
لم يكن العمل سهلاً، بل تطلب “تكسير صخور الجرانيت” وتفجير جبال كاملة بطول 9 كيلومترات لإزالة العوائق أمام سريان المياه، وجاءت الأهداف الفنية واضحة وحاسمة كالتالى:
- رفع القدرة الاستيعابية للمنخفض من 80 إلى 120 مليار متر مكعب.
-
حفر مجرى إضافي بطول 20 كم وعمق 3 أمتار لضمان انسيابية التدفق.
-
استبدال السواتر الترابية القديمة بـ بوابات تحكم أوتوماتيكية حديثة تتيح للقاهرة إدارة الأزمة بضغطة زر.
“نحن لا ننتظر أحداً”
هذه التوسعات في توشكى، تحمل ثلاث رسائل استراتيجية لـ “أديس أبابا”، أولها إحباط سلاح “التدفقات المفاجئة”، وأن مصر الآن مستعدة لاستقبال أي كميات مياه عشوائية قد تُفرغها إثيوبيا “هرباً من فشل تربيناتها”، وتحويل هذه المياه فوراً لمفيض توشكى لحماية السد العالي.
ثانى الرساائل المرونة الاستراتيجية، فالقاهرة تضع خططها بناءً على “معلومات دقيقة ومتابعة يومية”، وتدير مخزونها المائي لسنوات قادمة (حتى منتصف 2026 وما بعدها) دون انتظار “تنسيق” قد لا يأتي من الجانب الإثيوبي.
وثالثها تحويل المحنة إلى منحة، فالمياه التي كان يُراد لها أن تكون أداة ضغط أو سبب غرق، ستتحول بفضل مفيض توشكى إلى شريان حياة لاستصلاح مئات الآلاف من الأفدنة في جنوب الصحراء الغربية.
وبينما يتحدث الآخرون عن “حجز المياه”، تتحدث مصر بلغة أخرى تترجمها تفجير جبال توشكى كإعلان مصري صريح: “لن يفرض أحد علينا واقعاً مائياً يضرنا”، وأن الدولة المصرية باتت تملك من الأدوات الهندسية ما يكفي لامتصاص “صدمات” سد النهضة وتحويلها إلى أمان واستقرار لأبناء النيل.





