د. ناجح إبراهيم يكتب: بين العقاد وعمار علي حسن
بيان
كتب د/ناجح إبراهيم مقالاً بعنوان: “بين العقاد وعمار علي حسن” وتم نشره في جريدة الشروق وهذا هو نص المقال:
– تألمت كثيراً عندما علمت بنبأ بيع أ/محمد أمين الصحفي لمكتبته حتى يجد ما ينفق به علي أسرته .
– تذكرت في الحال كاتب الشرق الأول العقاد حينما باع مكتبته قبل موته لحاجته الماسة إلي المال، وكانت مكتبته فريدة من نوعها حيث كان يشتري الكتاب فور صدوره في أي بلد في العالم.
– العقاد هو أول موظف يستقيل في مصر رغم حاجته للمرتب ، وأقول ذلك دوما لصديقي الجميل الكاتب المبدع د/عمار علي حسن ” سرت علي نهج العقاد واستقلت من وظيفة كبرى حتى يرتاح ضميرك المهني ، وحاربت الإرهاب والتطرف الديني والعلماني والفساد وتوريث الحكم وكتبت عشرات الكتب العلمية والأدبية وحصلت علي الدكتورة من أعرق كلية وجامعة ، وارتقيت مرتقي صعباً علي نهج العقاد ، تاركاً أمر رزقك ورزق أولادك إليه سبحانه ، المفكر والكاتب في مصر إن لم يكن له عمل آخر يتكسب منه أصبح في دائرة الفقر والعوز.
– العقاد كاتب الشرق الأول ، وأعظم من أمسك بالقلم في القرن العشرين ،لم يخضع لأحد قط مهما علا جاهه ولم يجامل مسؤولاً في الوقت الذي مدح فيه العباقرة الموتى لأنه آمن بعبقريتهم ،إنه محامي العباقرة.
– كتب عن عبقرية عمر والصديق أبي بكر وعثمان وعلي وفاطمة الزهراء وعمرو بن العاص،وواجه بهم ما أراده المد الشيوعي الجارف وقتها من وضع أمثال”لينين وماركس وستالين”كنماذج لأمة العرب والمسلمين فأسقط نماذج الشيوعية المشوهة وحطمها .
– فلما علا نجم هتلر واعتبره البعض مخلصاً من طغيان الانجليز شن حملة ضارية عليه وعلي النازية حتي أهدر هتلر دمه ورصد جائزة لمن يأتي برأسه،فذهب إلي السودان،وهناك اقترب من أهلها وأصبح من أقرب المفكرين والكتاب المصريين إلي السودانيين .
– كان العقاد لا يكل ولا يمل وكلما خرج من معركة فكرية دخل في أخرى،فقد واجه الملك فؤاد الذي أراد تغيير فقرتين فقط في الدستور وهما” الأمة هي مصدر السلطات “،والأخرى”الوزارة مسؤولة أمام البرلمان ” فصاح مهدداً له في البرلمان”إن الأمة علي استعداد لسحق أكبر رأس يخون الدستور” فسجنه فؤاد .
– يقول العقاد :”لي أصدقاء وأعداء بحمد الله،لقد حاربت الطغيان والفوضى،ومذاهب الهدم والبغضاء ،والتبشير ، وحاربت التقليد الأعمى والدجل المريب باسم الدين ،والجمود والرجعية ،والأحزاب والملوك ، وهتلر ونابليون والمستعمرين ، والصهيونية ، وأعداء الأدب القديم،لقد حاربت هؤلاء جميعاً ، فالتقي علي محاربتي أناس من هؤلاء وهؤلاء “صهيوني إلي جوار نازي أو فوضوي إلي جوار رجعي إلي ملحد ، إلي جانب حامل اللحية المزيفة باسم الدين إلي جانب الماركسي من اليسار والمبشر من اليمين .. فحمداً لله أن أرسل عليُّ هذه السيوف المشرعة من كل جانب لكنه أسبغ عليُّ الدروع التي تتكسر عليها تلك السيوف،فقال رب الجنود:” أنت قدهم وقدود ” .
– فالعقاد الذي رفض مدح الملوك والحكام يمدح غاندي وفرانكلين، ويرفض أن يهادن الشيوعية وهي في عنفوان قوتها،أو يسكت عن النازية وهتلر وجيش الألمان في العلمين،ويأبي أن يجامل الحكام وقصورهم والأحزاب أو الرأسمالية الجشعين وهو لا يجد قوت يومه .
– فقد مرت عليه أيام لا يجد ما ينفقه ولعل الخطاب الذي بعثه لصديقه”لطفي جمعة” قائلاً:”ساعدني،فإني لا أجد قوت يومي “يعد نموذجاً علي هوان الفكر والمفكرين في بلادنا ونقطة سوداء في حياتنا الأدبية،ولو سخر العقاد قلمه لمدح الملوك والحكومات المتعاقبة وسدنتهم لعاش يتقلب في النعيم .
– ومنذ هذا الزمن والإنسان والعلم والفكر في بلادنا أرخص بضاعة،وهي الوحيدة التي ينخفض ثمنها مع ارتفاع الأسعار الجنوني .
– ورغم اعتداده بنفسه إلا أنه كان رحيماً ،فقد رأي في سجنه جلاداً يهوي بسوطه علي ظهر سجين حتي أدماه ،فظل يبكي ولا يستطيع النوم أياماً ثم مرض علي إثر ذلك فترة .
– وكان العقاد لا يهاب الموت ولكنه يكره المرض لأنه يذل الإنسان” إذا فاجأني الموت فإنني أصافحه ولا أخافه بقدر ما أخاف المرض لأنه ألم مذل لا يحتمل لكن الموت ينهي كل شيء ” .
– إنني أعتقد أن هناك تقارباَ في الشخصية بين العقاد ود/عمار علي حسن في الرجولة والزهد والتعفف عن النقائص.
– سلام علي مفكري هذه الأمة الصالحين،وعلمائها الزهاد المتواضعين.





