د. ناجح إبراهيم يكتب: تحية لأستاذي صانع المعروف د. زعزوع
بيان
كتب د. ناجح إبراهيم مقالاً بعنوان “تحية لأستاذي صانع المعروف د. زعزوع” ونشر في جريدة الجمهورية، وفى التالى نص المقال:
– تفتحت عيناي وأنا طالب بكلية الطب عليه،أُعجبت به ورأيته نموذجاً يمكنني تقليده،كان مديراً لمستشفى ديروط، ذهبت إليه وأنا في السنة الثالثة بالكلية، طلبت منه أن أتدرب في المستشفى في الصيف، فرحب بي كثيراً ورأى فىَّ طبيباً واعداً يحب العلم دون أن يطلب منه.
– تعلمت منه ما لم أتعلمه من أحد،يأتي باكراً جداً ليتابع كل شيء بنفسه، الحديقة رائعة، والطرقات وعنابر المرضى تلمع نظافةً،لا ترى ذبابة أو عنكبوتاً في المستشفى الحكومي.
– تعلمت منه إعادة “الكشف” إلى الفقراء والمحتاجين واليتامى والمرأة المعيلة،كان يتفنن في ذلك، فإن لم يجد سبباً اختلق سبباً ليعيده،تعلمت منه أن حامل القرآن لا ينبغي أن نأخذ منه أجراً تعظيماً للقرآن،وجدت أن معظم مرضاه بالمجان.
– تفكرت في ذلك طويلاً في المعتقل قائلاً: “جاءتنى اليوم فرصة العمر لأفرّج كرب المرضى المعتقلين الذين انقطعت بهم الأسباب”، فأحبني المرضى من الإسلاميين والجنائيين حتى “الشاويشية” والجنود.
– كان يأتيه المريض ليجرى الجراحة في عيادته فيقول: ولماذا تكلف نفسك؟ سأجريها لك في المستشفى،يصر المريض،ويتمسك أستاذي ويجريها لمريضه بالمستشفى.
– أراه في الفجر أو المغرب أو بعد منتصف الليل في غرفة العمليات يجرى جراحة لمريض،كان يتقن أعقد العمليات بدءاً من الزائدة حتى استئصال الغدة الدرقية أو الطحال أو استئصال أجزاء من الأمعاء.
– كان مرضى عيادته يدفعون ربع أجر الجراحات وكان يقبله منهم،وقد قابلت أحدهم أجرى جراحة معقدة أجرها مائة جنيه فأعطوه 17 جنيهاً فقلت لهم: “وهل أخذها؟”، فقالوا: أخذها ولم يعترض.
– وفى يوم من الأيام أجرى أستاذي جراحة كبرى في القاهرة، فذهبت أسلم عليه وبين ثنايا الحديث سألته عن تكلفتها فقال لي 1200 جنيه،فقلت هذا مبلغ كبير،فقال لي: بل هو عادى،إنني قررت هنا العمل لوجه الله،نحن هنا لا نأخذ أجراً،نحن نخدم الناس فقط.
– ظل أستاذي يكشف على والدي ووالدتي مجاناً حتى أنهما كان يستحيان من ذلك ويذهبان لغيره،حتى تلاميذي الأطباء لم يفعلوا ذلك،وكانت أمي تقول: يا بني أستاذك د/طوسون زعزوع ليس له مثيل،فقد كان يكشف على نصف ديروط مجاناً.
– ترجع أصول د/زعزوع إلى أسرة محمد على باشا وقدم إلى ديروط وليس لدينا في هذه المدينة الكبيرة سوى ثلاثة أطباء.
– لم يعرف الرجل البيزنس يوماً مثل أطباء اليوم الذين يتهربون “ويزوغون”من المستشفيات للذهاب إلى العيادات والمستوصفات الخاصة، أو يتاجرون – وهم أساتذة الطب – في الأراضي أو الشقق أو غيرها،مع أن رسالة الطب الإنسانية تتناقض تماماً مع رسالة التاجر المادية.
– كان إذا خرج من المستشفى ووجد طبيباً أو طالب طب واقفاً عند باب المستشفى أركبه السيارة معه.
– أعطاه الله بصيرة في التشخيص لم أدرك سرها إلا بعد طول نقاش مع أطباء آخرين خلصنا فيه إلى أن التشخيص مثل الفتوى فهو ” نور يقذفه الله في قلوب الأطباء العلماء الرحماء”.
– وقد فاقت تشخيصاته تشخيصات أساتذة كبار وقعوا في أخطاء فادحة لم نستغربها لكبرهم وغلظتهم،حتى قال بعضهم”هذه الجراحة أجريها وأنا معصوب العينين أو أجريها بظفر قدمي”، ثم يموت مريضه من جراحة بسيطة.
– حينما كبر أستاذي انتقل إلى القاهرة مع أولاده الأطباء،ومات هناك وهو الوحيد الذى أقامت له مدينتنا جنازة وصوان عزاء دون أن تكون له أسرة أو أهل فيها فقد اعتبروه واحداً منهم،رحم الله صانع المعروف د/محمود طوسون زعزوع.





