القرن الأفريقي على فوهة بركان: هل تندلع حرب جديدة بين إريتريا وإثيوبيا؟

 كتب: على طه

تشهد منطقة القرن الأفريقي موجة جديدة ومتسارعة من التوتر السياسي والإعلامي والعسكري بين أديس أبابا وأسمرة، وسط تحذيرات استراتيجية متزايدة من احتمال انزلاق الخلافات المتراكمة إلى مرحلة المواجهة الشاملة.

وتعيد هذه التطورات الراهنة إلى الواجهة سؤالاً قديماً جديداً: لماذا تتوتر العلاقة بين الجانبين رغم محاولات التقارب السابقة؟ وما هي الأبعاد الإقليمية والدولية التي تجعل روائح البارود تفوح مجدداً في أجواء النيل والبحر الأحمر؟

الجذور التاريخية وصدمة اتفاق 2018

ويقتضى فهم أبعاد الصراع الحالي يقتضي العودة إلى إرث ممتد من انعدام الثقة التاريخي؛ فاستقلال إريتريا عن الاحتلال الإثيوبي لم ينهِ الخلافات، بل فتح الباب أمام نزاع حدودي معقد، تركز خصوصاً حول مناطق متنازع عليها مثل “بادمي”، ما سرعان ما تحوّل إلى مواجهة عسكرية شاملة وحرب دامية بين عامي 1998 و2000، أسفرت عن سقوط عشرات الآلاف من القتلى، وتركت الحدود محصنة ومغلقة لسنوات طويلة في حالة “لا سلم ولا حرب”.

اتفاق 2018.. لحظة أمل قصيرة

شهد عام 2018 تحولاً تاريخياً عندما وقّع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد اتفاق سلام مع الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، أنهى رسمياً حالة الحرب وأعاد فتح الحدود لفترة قصيرة، وهو الاتفاق الذي منح آبي أحمد جائزة نوبل للسلام عام 2019.

لكن لم يصمد هذا التقارب طويلاً؛ إذ أعادت حرب إقليم تيغراي بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي خلط العلاقات الإقليمية. ورغم أن القوات الإريترية دخلت الصراع إلى جانب الجيش الإثيوبي آنذاك، فإن مرحلة ما بعد الحرب وما عُرف بـ”اتفاق بريتوريا للسلام” حملت معها شكوكاً جديدة حول النفوذ، والحدود، والترتيبات الأمنية في شمال إثيوبيا، ما أعاد التوتر بين أديس أبابا وأسمرة إلى الواجهة بعنف.

مسببات الانفجار الراهن (خلفيات ومعطيات)

تحيط بالمشهد الإريتري الإثيوبي اليوم أجواء غاية في التعقيد والتشابك، ويرى المراقبون أن عوامل الانفجار الحالية تنحصر في عدة نقاط إستراتيجية كالتالى:

أولا: يمثل الخطاب الإثيوبي التصعيدي والمطالبة بالوصول إلى البحر الأحمر تحت دعاوى “الحق التاريخي في العودة للمياه الدافئة” استفزازاً مباشراً لسيادة إريتريا، وتعتبره أسمرة تهديداً وجودياً مباشراً ومحاولة لشرعنة التوسع على حساب أراضيها، وهو ما يمكن أن نلخصه فى عبارة “أكذوبة المنفذ البحري”.

ثانيا: تعيش المنطقة تداعيات التورط الإثيوبي في الحرب السودانية، وهو ما يعنى تداخل الصراع في السودان، وسط ترويجات إثيوبية حول تداخل الأطراف الإريترية في ذات الصراع، ما يحول الساحة السودانية إلى امتداد لحرب بالوكالة بين البلدين.

ثالثا: التنافس على نفوذ القرن الأفريقي، وفى هذا الشأن تسعى أديس أبابا إلى إعادة تموضع سياسي وعسكري في الشمال، وفرض واقع جديد يهيمن على مقدرات القرن الأفريقي، وهو ما يصطدم بالرؤية الإريترية الصلبة الرافضة للهيمنة الإثيوبية.رسائل مصرية حاسمة من قلب أسمرة

في ذروة هذا التوتر، جاءت الزيارة الرفيعة للوزيرين المصريين، الدكتور بدر عبد العاطي ونائب رئيس الوزراء للتنمية الصناعية وزير النقل كامل الوزير، إلى العاصمة الإريترية “أسمرة”، لتكشف عن اصطفاف إستراتيجي جديد وتنسيق عالي المستوى بين القاهرة وأسمرة.

وجاءت الزيارة بعد مجهودات مصرية حثيثة وتحركات للرئيس عبد الفتاح السيسي في منطقة أعالي النيل، حاملة عدة رسائل بالغة الدقة والتعقيد لأديس أبابا، تزامناً مع الأنباء غير المؤكدة الرائجة في أسمرة حول زيارة مفاجئة وغير متوقعة لرئيس الوزراء الإثيوبي لعمق إريتريا، تزامناً مع الاحتفالات الإريترية بذكرى الاستقلال من المحتل الإثيوبي.

خط أحمر في البحر الأحمر

وفى هذا الصدد وجهت مصر رسالة مباشرة وصريحة لإثيوبيا من قلب أسمرة، مفادها أنه “لا يجوز لأي طرف غير مشاطئ للبحر الأحمر الانخراط في ترتيباته”، وهي صفعة دبلوماسية قوية تدحض الدعاوى الإثيوبية وتؤكد أن إثيوبيا دولة حبيسة لا حق لها في فرض إرادتها على الممرات المائية الدولية.

دعم الرؤية الإريترية

كما شددت القاهرة على دعمها الكامل والمطلق للرؤية الإريترية الأمنية والسياسية لحماية سيادتها، وإفشال المخططات الإثيوبية والإسرائيلية التي تستهدف تسخين الأوضاع في النيل والقرن الأفريقي، والعمل على استقطاب مجموعة “عنتيبي” لصالح قضايا القارة العادلة.

الموقف الدولي

وعلى الرغم من أن طبول الحرب تُسمع بوضوح في عدة أرجاء من القرن الأفريقي والنيل، إلا أن هناك كوابح دولية قد تؤجل أو تمنع الصدام العسكري المباشر؛ وأبرزها الموقف الأمريكي الإيجابي الحالي من الطرفين (أسمرة وأديس أبابا)، والذي تُرجم مؤخراً في رفع عقوبات مختلفة عن البلدين.

وبناءً على هذه المعطيات، يرى خبراء أنه من الصعب على أي من الطرفين اتخاذ خطوة متهورة قد تغضب واشنطن من جديد وتُعيده إلى مربع العزلة الدولية.

 بين منطقة رمادية ونذر الصدام

واليوم تقف العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا في منطقة رمادية خطرة؛ فلا هي حرب مفتوحة، ولا هو سلام مستقر.

ومع تصاعد حدة الخطاب الإعلامي والسياسي، واشتعال الأزمات المجاورة في السودان، يبقى القرن الأفريقي واحداً من أكثر أقاليم العالم هشاشة، حيث يمكن لأي شرارة صغيرة أو حسابات خاطئة من جانب أديس أبابا أن تشعل جولة صراع جديدة تتجاوز حدود البلدين لتطال أمن البحر الأحمر والعمق الأفريقي بالكامل.

طالع المزيد:

مصر ترد على أثيوبيا أمام دول القارة: إدارة شؤون البحر الأحمر حكرًا على الدول المشاطئة

زر الذهاب إلى الأعلى