لواء د. أحمد الجيزاوي يكتب: ترامب في بكين.. بين تفاهمات الضرورة وحدود الثقة
بيان
في لحظة دولية تتداخل فيها أزمات الشرق الأوسط مع التحولات الكبرى في ميزان القوى العالمي، جاءت زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين بوصفها تحركًا سياسيًا يتجاوز حدود العلاقات التقليدية بين واشنطن وبكين؛ فالزيارة لم تكن مجرد محطة دبلوماسية أو اقتصادية عابرة، بل جاءت في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات متزامنة تتعلق بالحرب مع إيران، وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، واضطراب أسواق الطاقة، إلى جانب التنافس المتصاعد مع الصين على النفوذ ومكانة كل طرف في النظام الدولي.
ومع اتساع تداعيات الأزمة الإيرانية، بدا أن واشنطن لم تعد تواجه أزمة عسكرية محدودة يمكن احتواؤها سريعًا، بل وضعًا أكثر تعقيدًا يكشف حدود القدرة الأمريكية على فرض الحسم في عالم لم يعد يتحرك بمنطق الهيمنة المنفردة كما كان في السابق؛ فالحرب تحولت تدريجيًا من أداة لإظهار القوة إلى مصدر ضغط سياسي واقتصادي وأمني، خاصة مع تصاعد المخاوف من انزلاق الولايات المتحدة إلى استنزاف طويل في الشرق الأوسط، وما قد يترتب على ذلك من آثار مباشرة على الاقتصاد الأمريكي وأسعار الطاقة والاستقرار الداخلي.
وفي خضم هذه الضغوط، برز البعد الداخلي للزيارة باعتباره أحد أهم مفاتيح فهمها، فقد جاءت القمة في وقت تواجه فيه إدارة ترامب انتقادات متزايدة بسبب كلفة التصعيد مع إيران وتداعياته الاقتصادية، إلى جانب تراجع مؤشرات التأييد الشعبي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. ولذلك، بدا ترامب بحاجة إلى تحرك سياسي ودبلوماسي يعيد تقديمه أمام الداخل الأمريكي باعتباره الرئيس القادر على إدارة الأزمات وعقد الصفقات، ومنع تحول المواجهة مع إيران إلى عبء يهدد صورته السياسية وحظوظه الانتخابية.
ومن هنا، حاولت الإدارة الأمريكية تقديم الزيارة باعتبارها إنجازًا اقتصاديًا وسياسيًا في الوقت نفسه، خاصة مع الحديث عن تفاهمات وصفقات محتملة مع الصين، من بينها صفقات لصالح شركة بوينج، بما يسمح لترامب بتسويق القمة داخليًا باعتبارها نجاحًا يوفر وظائف واستثمارات، ويؤكد قدرة واشنطن على تحقيق مكاسب حتى في ظل أجواء دولية مضطربة.
لكن أهمية الزيارة لم تتوقف عند الجانب الاقتصادي فقط، بل ارتبطت أيضًا بمحاولة واشنطن الاستفادة من ثقل الصين السياسي والاقتصادي في احتواء التصعيد مع إيران؛ فالإدارة الأمريكية تدرك أن بكين، بحكم علاقاتها الواسعة مع طهران واعتمادها الكبير على استقرار تدفقات الطاقة من الخليج، تمتلك أدوات تأثير لا يمكن تجاهلها. ولذلك، رأت واشنطن أن أي محاولة لخفض التوتر في المنطقة لن تكون فعالة من دون وجود دور صيني يساعد على منع تحول الأزمة إلى صراع طويل ومفتوح.
في المقابل، لم تدخل الصين القمة باعتبارها مجرد وسيط يسعى إلى التهدئة، بل باعتبارها قوة دولية صاعدة تدرك حجم التحولات الجارية في العالم؛ فبكين لا تريد انفجارًا شاملًا في الخليج يهدد مصالحها الاقتصادية وسلاسل الإمداد الخاصة بها، لكنها لا ترغب أيضًا في أن تبدو جزءًا من الاستراتيجية الأمريكية ضد إيران. ولهذا، تعاملت مع الزيارة بمنطق يقوم على تحقيق التوازن والحفاظ على مصالحها، دون الدخول في مواجهات مباشرة أو تحالفات حادة.
ومن هذا المنطلق، تنظر الصين إلى أزمة الشرق الأوسط باعتبارها قضية ترتبط بأمن الطاقة واستقرار الاقتصاد العالمي، وليس مجرد توتر إقليمي محدود. ولذلك، يكتسب مضيق هرمز أهمية خاصة بالنسبة لبكين، باعتباره أحد الممرات الرئيسية لتدفقات النفط والغاز إلى الأسواق الآسيوية، وأي اضطراب فيه ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد الصيني والأسواق العالمية.
كما أن علاقات الصين المتنامية مع إيران تمنحها مساحة تأثير مهمة، لكنها في الوقت نفسه تفرض عليها قدرًا كبيرًا من الحذر؛ فبكين تحاول الحفاظ على شراكتها مع طهران دون الدخول في مواجهة مفتوحة مع واشنطن، وهو ما يفسر حرصها على الاحتفاظ بهامش حركة واسع بعيدًا عن الاستقطابات الحادة. ولهذا، تفضل الصين توسيع نفوذها عبر الاقتصاد والتجارة والتكنولوجيا، أكثر من اعتمادها على النفوذ العسكري المباشر.
ومع مرور الوقت، أدركت واشنطن أن احتواء الأزمة الإيرانية لم يعد ممكنًا عبر القوة العسكرية وحدها، وأن الصين أصبحت طرفًا يصعب تجاوزه في أي معادلة تتعلق بأمن الطاقة واستقرار الشرق الأوسط. ولذلك، لم يكن الانفتاح الأمريكي على بكين مجرد محاولة لتحسين العلاقات الثنائية أو تخفيف التوترات التجارية، بل كان أيضًا محاولة للاستفادة من الدور الصيني في منع تحول الأزمة إلى استنزاف إقليمي ودولي واسع.
ورغم ما حملته الزيارة من رسائل تهدئة وحرص متبادل على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، فإنها لم تعكس وجود ثقة حقيقية بين القوتين. فالولايات المتحدة لا تزال تنظر إلى الصين باعتبارها المنافس الاستراتيجي الأخطر على المدى الطويل، سواء اقتصاديًا أو تكنولوجيًا أو سياسيًا، بينما ترى بكين أن واشنطن ما زالت تتحرك بمنطق احتواء الصعود الصيني ومنع تحوله إلى قوة قادرة على إعادة تشكيل موازين النظام الدولي.
ولهذا، تبدو التفاهمات بين الطرفين أقرب إلى تفاهمات فرضتها الضرورة والظروف الدولية، أكثر من كونها بداية لشراكة مستقرة؛ فواشنطن كانت بحاجة إلى تخفيف الضغوط المرتبطة بالأزمة الإيرانية، بينما رأت بكين أن الحفاظ على قدر من الاستقرار في العلاقة مع الولايات المتحدة يظل ضروريًا لحماية مصالحها الاقتصادية وتجنب الدخول في مواجهة مفتوحة لا تخدم أهدافها بعيدة المدى.
كما لعبت الحسابات الداخلية الأمريكية دورًا مهمًا في تشكيل طبيعة هذا الانفتاح، فإدارة ترامب لم تكن تتحرك فقط بدافع السياسة الخارجية، بل سعت أيضًا إلى توظيف أي اختراق دبلوماسي أو اقتصادي في المعركة الانتخابية الداخلية، سواء عبر تخفيف الضغوط الناتجة عن الأزمة الإيرانية أو من خلال تقديم التفاهمات الاقتصادية باعتبارها نجاحًا يعزز صورة الرئيس الأمريكي أمام الناخبين.
في المقابل، تنظر بكين إلى السياسة الأمريكية باعتبارها شديدة التقلب، وتتغير تبعًا للانتخابات وتبدل الإدارات وموازين القوى داخل واشنطن. ولذلك، ترى الصين أن أي تفاهمات مع الولايات المتحدة تبقى محاطة بحالة من عدم اليقين، سواء من حيث استمراريتها أو حدود الالتزام بها على المدى الطويل. ولهذا، تعاملت مع الانفتاح الأمريكي بحذر واضح، يقوم على الاستفادة من التهدئة دون بناء رهانات استراتيجية كبيرة عليها.
ومن هنا، اكتسبت الدعوات المتبادلة للزيارات واللقاءات السياسية أهمية تتجاوز بعدها البروتوكولي؛ فهي تعكس رغبة متبادلة في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة ومنع التوترات من الخروج عن السيطرة، لكنها لا تعني بالضرورة انتقال العلاقة إلى مرحلة من الثقة الكاملة أو الشراكة الدائمة، فالعلاقة بين واشنطن وبكين أصبحت أكثر تعقيدًا من أن توصف بمنطق التحالف أو العداء المباشر، إذ تختلط فيها المصالح الاقتصادية الواسعة بمخاوف التنافس الاستراتيجي طويل المدى.
وربما عكس غياب بيان مشترك واضح حول نتائج الزيارة حجم التعقيد الذي ما تزال تحكم به العلاقة بين الطرفين؛ فالقمة، رغم ما حملته من رسائل تهدئة وانفتاح، لم تُنتج تفاهمات معلنة يمكن البناء عليها بصورة مستقرة، وهو ما يعكس استمرار التباينات العميقة بين واشنطن وبكين، وحرص كل طرف على إبقاء مساحة للمناورة وعدم الالتزام بمسارات قد تقيده في المرحلة المقبلة، فالصمت الدبلوماسي في بعض الأحيان لا يقل دلالة عن التصريحات المعلنة، بل قد يكشف بصورة أوضح حدود الثقة الحقيقية بين القوى الكبرى.
وبعيدًا عن الحسابات الثنائية المباشرة، تكشف الزيارة عن تحول أوسع يشهده النظام الدولي نفسه؛ فالعالم الذي اعتادت فيه الولايات المتحدة إدارة الأزمات الكبرى من موقع القوة المنفردة لم يعد قائمًا بالصورة ذاتها، في ظل صعود قوى دولية باتت تمتلك القدرة على التأثير في الاقتصاد والطاقة والتوازنات السياسية العالمية.
ولعل أبرز ما تعكسه هذه الزيارة هو التحول التدريجي في طريقة إدارة الصراعات الدولية؛ إذ لم تعد القوى الكبرى تسعى دائمًا إلى الحسم الكامل، بقدر ما أصبحت تميل إلى إدارة الأزمات واحتوائها ومنع تحولها إلى مواجهات واسعة تهدد الاقتصاد العالمي والاستقرار الدولي. ولذلك، أصبحت إدارة التوازنات أكثر حضورًا من فكرة الحسم النهائي.
وفي الوقت نفسه، تكشف المقاربة الصينية عن أسلوب مختلف في إدارة الصعود الدولي؛ فبكين لا تسعى إلى منافسة الولايات المتحدة عبر المواجهة العسكرية المباشرة، بقدر ما تعمل على توسيع نفوذها من خلال الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا وشبكات المصالح العابرة للقارات. ومن ثم، أصبح التنافس بين القوتين لا يدار فقط عبر أدوات القوة العسكرية، بل أيضًا عبر الاقتصاد وسلاسل الإمداد والتأثير في الأسواق العالمية.
وأمام هذا المشهد، تبدو العلاقة بين واشنطن وبكين محكومة بحالة من التوازن الحذر؛ فحجم التشابك الاقتصادي بينهما يجعل الصدام المباشر مكلفًا للطرفين، لكن ذلك لا يلغي استمرار التنافس على النفوذ والتكنولوجيا وقيادة النظام الدولي خلال السنوات المقبلة.
وهكذا، لا تكشف زيارة ترامب إلى بكين فقط عن محاولة لإدارة أزمة إقليمية معقدة، بل تعكس أيضًا ملامح مرحلة دولية جديدة تتراجع فيها قدرة أي قوة على الانفراد بصناعة التوازنات، لصالح عالم أكثر تشابكًا وأقل يقينًا، تُدار فيه المنافسة بين القوى الكبرى عبر مزيج من الاحتواء والتفاهمات المؤقتة، لا عبر الهيمنة المطلقة أو الحسم الكامل.
وفي ظل هذه التحولات، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح واشنطن وبكين في إبقاء تنافسهما داخل حدود إدارة التوازن، أم أن تصاعد الأزمات الدولية سيدفع العالم تدريجيًا نحو مرحلة أكثر حدة واضطرابًا في الصراع بين القوى الكبرى؟.





