شريف عبد القادر يكتب: لماذا لا نراعي حرمة الموتى؟!

بيان

(1)

إن قانون الأحوال الشخصية الجاري تأليفه ببنود غريبة وغير طبيعية، فهل النية منعقدة لسلقه مثل قانون الإيجار القديم؟
وهل غاب عمّن يؤلفون بنود القانون أن أغلب المشاكل الزوجية سببها سوء الأحوال الاقتصادية، وعدم تشريع قانون بإعدام مهربي وتجار ومدمني المخدرات؟ فدولة الصين نهضت بعد تشريع قانون بالإعدام.

كما أن قانون الأحوال الشخصية من المفروض أن يشرعه الأزهر الشريف وحده، ويقره مجلس النواب دون مناقشة، أما التهريج بالطلاق خلال ستة شهور وغيره من العجائب، فهم يشرعون قانون زواج بنية الطلاق والخراب تحت تأثير غربي.

(2)

طالبت كثيرًا بإطلاق أسماء الشهداء على الشوارع والحارات التي كانوا يسكنونها، حتى تعلم الأجيال المتتالية أنه بفضل الله وهؤلاء الشهداء نعيش في استقرار على كامل أراضينا، ولكن للأسف انحصر الاهتمام جزئيًا بإطلاق أسماء عدد قليل من الشهداء على بعض المدارس الحكومية.

وطالما توجد صعوبة في إطلاق أسمائهم على الشوارع والحارات التي كانوا يسكنونها، فلماذا لا نضع على جدران منازلهم لوحة «عاش هنا»، مع كتابة تاريخ الميلاد والاستشهاد، ومكان الاستشهاد، والجهة التي كان يتبعها، قوات مسلحة أو شرطة؟ فشهداؤنا لا تقل أهميتهم عمّن تم وضع لوحات لهم.

(3)

لو عدنا إلى بدايات إقامة مدافن القاهرة القديمة، سنجد أنها أُقيمت حول مساجد أولياء الله الصالحين تبركًا بها، وكانت هذه المساجد في أماكن متطرفة. ولا يخفى أن النظام الملكي كان حريصًا على بيوت الآخرة.

وبعد 23 يوليو 1952 بسنوات، بدأ انتهاك حرمة الموتى لشق طريق بين المدافن أُطلق عليه شارع صلاح سالم تكريمًا لأحد رفاق عبد الناصر، فتمت إزالة مدافن تعسفًا لإنشاء الشارع الذي يمتد حتى مصر القديمة.

وتمر السنين ويتم إقامة كوبري السيدة عائشة رضي الله عنها عام 1977، وتمت إزالة مدافن لم يعلم أصحابها بذلك من أجل الكوبري، وللأسف كنت أشاهد عظامًا وجماجم لموتى كانت على يمين الطريق المؤدي للميدان أثناء ذهابي لمعسكري التجنيدي خلف القلعة، حيث لم يفكر جبابرة إزالة المدافن في جمع الرفات ودفنها احترامًا لحرمة الموتى، وكأنهم يعاقبون الموتى لعدم معرفة ذويهم وحضورهم لنقلها.

والعجيب أن التخبط الإداري والاقتصادي منذ عبد الناصر من أسباب الزحف السكاني نحو المدافن، بسبب أن محافظات الوجهين البحري والقبلي أصبح ينتقل منها سكان للإقامة بالقاهرة، بسبب افتكاسة المركزية التي أغرت كثيرين بالإقامة بالقاهرة نظرًا لإهمال المحافظات الأخرى.

وعام 1965 صدر قانون بخصوص الجبانات لتصبح أرضها حق انتفاع، وتصبح من أملاك الدولة تستردها وقتما تشاء، ببركات عبد الناصر.

وبدلًا من إيجاد وسيلة لمنع الزحف نحو المدافن، فوجئنا بجمال مبارك وأحمد عز يطلقان ما يسمى مصر 2030 أو 2050، وكان المشروع الذي أعلنا عنه إزالة جميع المدافن من شارع صلاح سالم حتى البساتين، واستثمار أرضها في إقامة ملاهٍ وحدائق وعمارات سكنية، وإزالة مستشفى العباسية للأمراض النفسية وإقامة بديل لها في مدينة 6 أكتوبر، وإزالة حديقة الحيوانات والأورمان وإقامة بديل لها بمدينة 6 أكتوبر، وبناء عمارات سكنية على أراضيها.

وعندما اعترض كثيرون، وعلى رأسهم الوطني المحترم زاهي حواس، الذي أوضح أن كل ما سلف ذكره يعد أثرًا لبلوغه أكثر من 100 عام، تراجعت العصابة عن تنفيذ مخططها، واضطروا إلى تحويل الجزء الأمامي بمستشفى العباسية إلى حديقة، بعد أن كانوا سيبدأون مخططهم.

والآن تحدث إزالات لمدافن بتوسع دون اهتمام بمشاعر المواطنين، وكنت أعتقد أن الدولة ربما تكافئ موتانا بعمل تجديدات للمدافن وتنظيمها، لكونهم استراحوا وأراحوا، ولكن ما يحدث يثير تساؤلًا: هل النية معقودة لتنفيذ مخطط جمال مبارك وأحمد عز لإزالة المقابر بالتدريج؟ أم هي تعليمات مستثمر أجنبي يتم تنفيذها على مراحل؟

وهل وصل بنا الأمر ألّا نحترم حرمة الموتى منذ عبد الناصر، ونحترم حرمة الموتى اليهود؟ وهل مدافن الكومنولث بمصر الجديدة تلائم العمارات المجاورة لها؟ اعتبروا مقابرنا كومنولث.

للأسف، بعد أن أصبحنا متخصصين في تجريف الأراضي الزراعية، أصبحنا متخصصين في تجريف المدافن دون اعتبار لحرمة الموتى.

كما أن المنشور الصادر من محافظة القاهرة يوضح أن المحافظة غير مسؤولة عن نقل الرفات، دون مراعاة للظروف الحالكة التي يمر بها أغلب الشعب. كما أنه يقع ظلم على أصحاب المدافن ذات المساحات الكبيرة بإعطائهم بديلًا أصغر، مع نهبهم ممن سيقومون بأعمال بها.

إن ما يحدث ربما يدفع البعض للجوء إلى أسلوب الدول التي تحرق جثامين الموتى وتجمع رمادها في زجاجة، مثل إنديرا غاندي.

وإذا كانت النية لا تتجه إلى إزالة كل المقابر بالتدريج، فلماذا لا يتم الإعلان بالصحف القومية عن خريطة توضح أماكن المدافن التي ستزال في كل المناطق؟

لقد شاهدت في ميلانو الجديدة بإيطاليا مدافن قرب عمارات سكنية، وكذلك في فرانكفورت بألمانيا.

حرمة الموتى لا بد أن تُحترم.

طالع المزيد:

شريف عبد القادر يكتب: “حمير بالهنا والشفا”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى