دراسات حديثة تراجع فرضية تأثير اكتمال القمر

كتب: ياسين عبد العزيز

تواصل ظاهرة ما يعرف بـ”جنون القمر” إثارة الجدل بين المهتمين بعلم النفس والسلوك البشري، رغم أن الدراسات العلمية الحديثة لم تثبت وجود علاقة مباشرة بين اكتمال القمر والتغيرات السلوكية أو النفسية لدى الإنسان، في وقت ما زالت فيه هذه الفكرة حاضرة بقوة داخل عدد من المعتقدات الشعبية والثقافات القديمة والحديثة.

ناسا تعتمد آيفون 17 برو ماكس لتوثيق رحلة طاقم أرتميس 2 نحو القمر

ارتبط القمر عبر قرون طويلة بالعديد من القصص والأساطير المتعلقة بالسلوك الإنساني، حيث اعتقد البعض أن اكتمال القمر يؤدي إلى زيادة حالات التوتر والانفعال والاضطرابات النفسية، بينما ربط آخرون بينه وبين الحوادث والجرائم وبعض الظواهر الخارجة عن المألوف، وهي أفكار انتقلت عبر الأجيال وظلت حاضرة في عدد من المجتمعات حتى الوقت الحالي.

استندت بعض النظريات القديمة إلى فكرة تأثير القمر على جسم الإنسان بسبب احتوائه على نسبة كبيرة من الماء، وهي الفكرة التي تبناها عدد من الفلاسفة والعلماء في العصور القديمة، من بينهم أرسطو وبلينيوس الأكبر، حيث اعتقدا أن الدماغ يمكن أن يتأثر بجاذبية القمر على غرار تأثر البحار والمحيطات بحركة المد والجزر.

انتقلت هذه الفرضيات لاحقًا إلى بعض الدراسات الحديثة، حيث تناول الطبيب النفسي أرنولد ليبر هذه الفكرة في كتابيه “التأثير القمري: المد والجزر البيولوجي والعواطف البشرية” الصادر عام 1978، و”كيف يؤثر القمر عليك” الذي ناقش فيه احتمالات تأثير أطوار القمر على الحالة النفسية والعاطفية للإنسان.

أشار ليبر إلى أن جسم الإنسان يحتوي على ما يقرب من 70% من الماء، معتبرًا أن ذلك قد يجعله عرضة لتأثيرات مشابهة لتلك التي تحدث في المسطحات المائية، كما ربط بين اكتمال القمر وارتفاع معدلات القتل والانتحار والاعتداءات العنيفة وحوادث السيارات وبعض حالات الطوارئ النفسية.

واجهت هذه الفرضيات انتقادات علمية واسعة خلال السنوات الماضية، حيث أكدت دراسات متخصصة أن تأثير جاذبية الأرض على الإنسان يفوق جاذبية القمر بأكثر من 5012 مرة، كما أوضحت الأبحاث أن تأثير القمر على جسم الإنسان محدود للغاية مقارنة بتأثيره على المحيطات والبحار بسبب اختلاف الحجم والكتلة.

أوضحت بعض الدراسات أن الاعتقاد المستمر بتأثير القمر على السلوك قد يرتبط بما يعرف بالتحيز التأكيدي، وهو ميل الإنسان إلى تذكر الوقائع التي تدعم معتقداته وتجاهل الوقائع الأخرى التي تتعارض معها، الأمر الذي يفسر استمرار انتشار هذه الأفكار رغم غياب الأدلة العلمية الحاسمة التي تثبتها.

تناولت تقارير علمية أخرى احتمالية وجود علاقة غير مباشرة بين القمر والنوم، حيث أشارت بعض الملاحظات إلى أن زيادة سطوع القمر قد تؤثر على جودة النوم لدى بعض الأشخاص، خاصة في العصور القديمة قبل وجود وسائل الإضاءة الحديثة، وهو ما قد يؤدي إلى اضطرابات مرتبطة بالحالة المزاجية أو التركيز.

يرى عدد من الباحثين أن استمرار الربط بين اكتمال القمر والسلوك البشري يعود إلى ارتباط القمر بالأساطير والطقوس الشعبية والأحداث الثقافية عبر التاريخ، إلى جانب حضوره في الأعمال الفنية والأدبية وأفلام الرعب، وهو ما ساهم في ترسيخ الفكرة داخل الوعي الجمعي لدى كثير من الأشخاص حول العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى