“نيوز لاينز”: جنرالات الأسد وحلفاء إسرائيل يديرون إمبراطورية الكبتاجون” من جنوب سوريا
الصندوق الأسود لـ "السويداء": كيف حوّل الدعم الإسرائيلي جنوب سوريا إلى عاصمة لتهريب المخدرات؟
مصادر – بيان
في قراءة استقصائية معقدة للمشهد المتفجر في الجنوب السوري، كشف تقرير موسع صادر عن مجلة “نيوز لاينز ماجازين” (News Lines Magazine)، أعده الباحث البارز “تشارلز ليستر”، عن خفايا التحولات الدراماتيكية التي شهدتها محافظة “السويداء” ذات الغالبية الدرزية.
ويكشف التقرير كيف تحولت تحت غطاء من الدعم العسكري الإسرائيلي المباشر إلى بؤرة عابرة للحدود لإنتاج وتهريب المخدرات، مما دفع الجيش الأردني لتنفيذ غارات جوية متكررة لردع هذا التهديد المتنامي.
بالونات الهيليوم الموجهة بالـ GPS
استهل تشارلز ليستر تقريره بالإشارة إلى الهجوم الجوي الذي شنته مقاتلات الأردنية من طراز F-16 في الساعات الأولى من يوم الأحد، 3 مايو/أيار، مستهدفة ستة مواقع في محافظة السويداء.
وأوضح التقرير أن هذه الغارات تمثل الجولة الخامسة من الضربات الأردنية منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، والثالثة منذ سيطرة الميليشيات الدرزية المعروفة باسم «الحرس الوطني» المدعومة من إسرائيل على المنطقة في يوليو 2025.
ونقل الكاتب عن الأجهزة العسكرية والاستخبارية الأردنية أن السويداء باتت تمثل “مركز التهديد” الأساسي للأمن القومي الأردني بسبب تدفق مخدر “الكبتاجون”.
وكشف التقرير عن تكتيك جديد وخطير يعتمده المهربون؛ وهو استخدام بالونات ضخمة مملوءة بالهيليوم، ومجهزة بأنظمة توجيه (GPS) وآليات إطلاق مؤقتة عن بُعد لإسقاط الشحنات داخل الأردن لتجاوز عقبة الطائرات المسيرة، حيث اعترض الجيش الأردني ما لا يقل عن 46 مليون حبة كبتاغون محمولة على هذه البالونات منذ يوليو 2025.
الأجندة الإسرائيلية: إبقاء سوريا ضعيفة ومقسمة
وفقاً للتحليل الذي نشرته “نيوز لاينز”، فإن الاهتمام الإسرائيلي بالسويداء ينبع من رغبة تل أبيب في استغلال البعد الطائفي وتضامن الدروز داخل الجيش الإسرائيلي مع أبناء طائفتهم في سوريا.
لكن الهدف الأعمق لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يكمن في إبقاء الدولة السورية الجديدة ضعيفة ومقسمة عبر خلق “حاجز درزي” يمثل مصدر عداء دائم لدمشق.
وكشف ليستر في متن تقريره أن إسرائيل نفذت ما يصل إلى 15 عملية إنزال جوي لأسلحة وذخائر لصالح الميليشيات الدرزية، واحتلت نحو 80 ميلاً مربعاً من الأراضي السورية، وواكبت ذلك بشن قرابة 1100 ضربة جوية ومدفعية و1000 توغل بري لترسيخ سلطة “الحرس الوطني” والمجلس السياسي الموالي للزعيم الديني “حكمت الهجري”.
ونتيجة لهذه الحماية الإسرائيلية، ارتفعت عمليات تهريب المخدرات نحو الأردن بنسبة قياسية بلغت 325%، وفقاً لبيانات جمعتها منصة “سوريا ويكلي”.
إعادة تدوير رجال الأسد وجنرالات “الفرقة الرابعة”
المفارقة الصادمة التي فككها تقرير “تشارلز ليستر” هي أن “الحرس الوطني” الحالي في السويداء يضم في صفوفه الوجوه القديمة نفسها التي كانت تدير شبكات تهريب نظام الأسد وإدارة المخابرات العسكرية التابعة له، بالإضافة إلى “الفرقة الرابعة” التي كان يقودها ماهر الأسد الشريكة لإيران.
وأوضح التقرير أن أكثر من نصف قيادة الحرس الوطني هم ضباط كبار سابقون في نظام الأسد، من بينهم العميد جهاد الغوطاني والرائد طلال عامر (كلاهما من خريجي الفرقة الرابعة)، والعميد شكيب نصر (الرئيس السابق للاستخبارات في طرطوس)، إلى جانب زعماء عصابات وجريمة منظمة مثل “ناصر السعدي” و”راجي فلحوط” المرتبط بحزب الله وخاضع لعقوبات دولية، و”مهند مزهر” السيئ الصيت في تجارة الخطف والدعارة والاغتيالات.
وأشار الكاتب إلى أنه التقى في يناير 2025 بقادة هذه الميليشيات، وحينها اختاروا جميعاً تجاهل أسئلته حول تهريب المخدرات، وهو ما بدا كإشارة ضمنية على رغبة السلطة الجديدة (الموالية للهجري) في ربط مصالحها المالية بعائدات الكبتاجون الإجرامية لخلق “بيئة متساهلة” للتهريب.
الملاذ اللبناني والتنسيق الأمني بين دمشق وعمان
على الجانب الآخر، أشار التقرير إلى وجود تنسيق أمني غير مسبوق بين الحكومة السورية الجديدة وجيرانها لمكافحة هذه الآفة؛ حيث ضبطت إدارة مكافحة المخدرات السورية شحنات ضخمة قادمة من لبنان (بقايا شبكات الأسد وحزب الله) بلغت 33 مليون حبة كبتاجون في الأشهر الستة الماضية، وهو ما يمثل 77% من إجمالي المصادرات الحكومية.
ونقل ليستر عن مسؤولين أمنيين في دمشق أن الاستخبارات السورية أسهمت بشكل فعال في إعداد “بنك الأهداف” للضربات الجوية الأردنية الأخيرة في 3 مايو/أيار عبر خلية تنسيق مشتركة، وتم إبلاغ دمشق بالضربات قبل وقوعها، والتي استهدفت ممتلكات ومنشآت تابعة لـ “فارس سيموعة” المقرب من قائد الحرس الوطني، والذي يُعتقد أنه العقل المدبر لتهريب المخدرات عبر بالونات الهيليوم التي يحتكر تجارة أسطواناتها في المحافظة.
قبضة “عين النسر” والانهيار الداخلي للسويداء
على الصعيد الداخلي، لفت التقرير في “نيوز لاينز” إلى أن السويداء تعيش حالة تعفن داخلي وانهيار في الخدمات العامة والأمن، فقد أنشأ الحرس الوطني بمساعدة إسرائيلية جهاز استخبارات سري يُدعى «عين النسر» (تحت سلطة الهجري ويقوده شادي أبو لطيف وغفران مرشد) لملاحقة وتصفية الأصوات الدرزية المنادية بالحوار مع دمشق.
وتحدث الكاتب عن تصفية رجال دين دروز تحت التعذيب (مثل رائد المتني وعاصم أبو فخر) بعد محاولتهم السفر لعمان للحوار، واختطاف شخصيات عامة مثل الأكاديمي “صفوان بلان” مدير التربية، مما تسبب في أزمة شلت قطاع التعليم وحرمت الطلاب من الامتحانات.
وأكد التقرير أن استطلاعات الرأي تظهر أن 6% فقط من سكان السويداء راضون عن هذا الوضع العبثي، حيث تمنع الميليشيات المؤسسات من التواصل مع دمشق، مما يحرم السكان من طفرة التعافي الاقتصادي والاستثمارات الدولية التي بدأت تتدفق على بقية المحافظات السورية بعد الاندماج الناجح لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الدولة.
التوصية الدولية
اختتم تشارلز ليستر تقريره بالـتأكيد على أن هذا النهج غير قابل للاستمرار، وأن مصلحة سكان السويداء تقتضي العودة إلى “خريطة طريق السويداء” الموقعة برعاية أمريكية-أردنية في سبتمبر 2025.
وشدد على ضرورة أن تقوم واشنطن برعاية حوار مباشر بين دمشق والوجهاء الدروز، بالتوازي مع ضغط دولي على إسرائيل لخفض مستوى عدائها الصريح لسوريا وإبلاغ حلفائها في السويداء بأن الحوار السياسي مع الدولة هو المخرج الوحيد، وإلا ستبقى المنطقة غارقة في مستنقع الجريمة المنظمة والمخدرات العابرة للحدود.





