« السود الصهاينة » وعلاقتهم بإسرائيل (1من3)
تقرير يكتبه: عاطف عبد الغنى
نبهنا.. حذرنا.. صرخنا منذ سنوات، ولم ينتبه أحد حتى وقعت الطامة فوق الرؤوس كالصاعقة.
اليوم، تنفلت ذئاب الصهيونية تحت غطاء أمريكي مكشوف، لتنهش الجسد العربي وتقضم ما طالته مخالبها من أراضي سوريا ولبنان وما تبقى من فلسطين المحتلة؛ تسفك الدماء وتسحق الحياة بلا رادع من دين أو ضمير أو شفقة.
لكن المعركة ليست على الأرض فقط؛ فبينما تدك المدافع المدن، تشن آلة الدعاية الصهيونية وجيوش الخداع حرباً موازية. حربٌ سلاحها الأكاذيب والأساطير، تستقطب بها الأفراد والمؤسسات حول العالم، وتجندهم كأعداء للحق، لتواصل عبرهم أبشع عمليات السطو الممنهج: سرقة الثقافة.. ونهب التاريخ، ومحاولة اقتلاعنا من جذورنا.
هذا هو صلب قضيتنا، وتلك هي الأدلة والأمثلة. اقرأ السطور القادمة بوعي ولا تمر عليها مرور الكرام؛ فقد انتهى زمن الرفاهية، السيوف باتت مُشرعة، واللصوص على الأبواب.
الموضوع
في معركة لا تُستخدم فيها المدافع والذخيرة الحية، بل تُستل فيها النصوص القديمة وتُلوى فيها أعناق الحقائق التاريخية، يواجه الفضاء الجغرافي والثقافي لشمال أفريقيا (وعلى رأسه مصر) تهديداً وجودياً ناعماً.
هذا التهديد يتجسد في محاولات دؤوبة لـ “إعادة كتابة التاريخ” عبر تحالف فكري غير معلن بين حركات تبدو في ظاهرها متناقضة، لكنها تتقاطع في أهدافها الإستراتيجية مع الصهيونية، وأخطر هذه الحركات التى نشطت خلال العقد الماضى، تستقطب السود بعامة، والأفارقة بخاصة، تأتى حركتى: “المركزية الأفريقية أو الأفروسنتريك – Afrocentrism “، و “العبرانيين السود THE Black Hebrew Israelites”، ويرمز لها اخاصارا بـ (BHI).
والقراءة المتأنية للتقاطعات المعرفية بين هذه التيارات الثلاثة “الأفروسنتريك و العبرانيين السود، والصهيونية” تكشف عن مشروع سياسي معاصر يسعى لنزع الشرعية التاريخية عن مصر وشعوب شمال أفريقيا الحالية، واستبدالها بسرديات استيطانية تبرر مطامع جغرافية وسياسية مستقبلية.
المنهج المشترك: التاريخ كسلاح استيطاني
وتتقاطع الصهيونية الكلاسيكية مع حركات المركزية الأفريقية والعبرانيين السود في استراتيجية أساسية، يمكن أن نطلق عليها: “تسليح التاريخ” كالتالى:
الصهيونية: اعتمدت على نصوص توراتية وتأويلات تاريخية للادعاء بـ “الحق الحصري” في أرض فلسطين، متجاهلة الوجود الديموجرافي والتاريخي المستمر للشعب الفلسطيني، لتبرير مشروع إحلالي واستيطاني.
المركزية الأفريقية والعبرانيون السود: يستنسخون ذات المنهجية الصهيونية؛ حيث يدّعون أن الحضارات القديمة في شمال أفريقيا (خاصة الحضارة المصرية القديمة) هي حضارات “سوداء خالصة”، وأن سكان شمال أفريقيا الحاليين (من مصريين وعرب وأمازيغ) ما هم إلا “غزاة ومستوطنون” طردوا السكان الأصليين.
هذا التقاطع المعرفي ليس صدفة، بل هو استعارة لأدوات المشروع الصهيوني الناجح، لتطبيقه على رقعة جغرافية أوسع تشمل شمال القارة الأفريقية.
نقطة الالتقاء الأخطر
رغم التناقض الظاهري بين هذه الحركات السوداء والصهيونية، إلا أن المخرجات السياسية للاثنين تخدم نفس الهدف ألا وهو، تكريس مفهوم أرض الميعاد، وشرعنة الاستيطان.
تكريس مفهوم “أرض الميعاد”:
تتبنى الحركة فكرة الحق الإلهي في العودة إلى “أرض الأجداد” (التي يوسعونها لتشمل مصر وأجزاء من شمال أفريقيا والشرق الأوسط).
شرعنة الاستيطان:
تبرر هذه السردية تشكيل مجتمعات مغلقة تطالب بامتيازات جغرافية وتاريخية، وهو ما يمهد لمشاريع انفصالية أو استيطانية، تماماً كما فعلت الصهيونية في بدايات القرن العشرين.
طالع المزيد: عبد الغني: إسرائيل منقسمة داخليا والصهيونية الدينية أسطورة يستغلها نتنياهو لاستعمار العرب
تداعيات السردية المشوهة على أمن شمال أفريقيا
إن مساعي هذه الحركات لإعادة كتابة التاريخ تتجاوز حدود الجدل الأكاديمي، لتشكل تهديداً جيوسياسياً مباشراً على دول شمال أفريقيا، وتتجلى هذه التداعيات في 3 تهديدات مباشرة نوضحها فى التالى:
1- تهديد الأمن القومي والنسيج المجتمعي:
وذلك من خلال السعي لزرع الفتنة العرقية والادعاء بأن السكان الحاليين “محتلون”، مما يخلق شرخاً فى هوياتها ويفتح الباب أمام تدخلات دولية تحت مزاعم “حماية حقوق السكان الأصليين المزعومين”.
2- التعدي على السيادة الثقافية والتاريخية:
وذلك بسرقة التراث الحضاري (المصري والأمازيغي) ونسبه إلى مجموعات لا تمت له بصلة جغرافية أو جينية، وهو ما يمهد لـ “سرقة الأرض” لاحقاً، وفقاً للمنطق الصهيوني المألوف (الأرض تتبع التراث)
3- تبرير التدخلات الغربية:
وتستخدم بعض الدوائر الغربية حركات “الأفروسنتريك” كأداة ضغط سياسي ناعم لابتزاز دول شمال أفريقيا، ومحاولة عزلها هوياتياً وثقافياً عن محيطها العربي والإسلامي والمتوسطي.
استنساخ ناعم للتجربة الصهيونية
ما نشهده اليوم من ترويج مكثف لأفكار المركزية الأفريقية والعبرانيين السود عبر المنصات الإعلامية وشبكات الترفيه العالمية (مثل نتفليكس وغيرها)، ليس مجرد صرعة ثقافية، بل هو “استنساخ ناعم للتجربة الصهيونية”.
إن تفكيك هذه التقاطعات المعرفية لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة ملحة لأجهزة الأمن القومي والمؤسسات الثقافية في دول شمال أفريقيا، ومصر بخاصة، للتصدي لمحاولات “السطو على التاريخ”، قبل أن تتحول هذه السرديات الوهمية إلى “مشاريع استيطانية” تُفرض على أرض الواقع بقوة التزييف.





