قصة الساحر رونالدينيو في عمر الـ 46.. المأساة والملهاة (الجزء الأول)

سردية يكتبها: على طه

من وميض الأضواء في “الكامب نو” حيث كان يهتف له ثمانون ألف مشجع، إلى عتمة زنزانة في سجن “تاكومبو” بباراغواي؛ تتبلور واحدة من أكثر قصص السقوط الإنساني تراجيدية في تاريخ الرياضة.

في الحادي والعشرين من مارس عام 2026، أتمّ الساحر البرازيلي رونالدينيو عامه الـ46. لم يعد ذلك الشاب الذي يركض بابتسامة طفولية ويسحر العالم بتمريرات أسطورية لا تنظر إلى الخلف؛ بل غدا رجلاً يصارع الندم بعدما أطفأت الحفلات والقرارات العشوائية بريق موهبته، وصادرت الديون ما جناه من ملايين.

الطفل الذي حماه أخوه.. فمنع عنه النضوج

تبدأ مأساة “رونالدو دي أسيس موريرا” من حارة “فيلا نوفا” الفقيرة في بورتو أليغري. هناك، حُفرت في ذاكرته ندبة لا تُمحى؛ وهو في الثامنة من عمره، عاد شقيقه الأكبر روبرتو من تدريب نادي “غريميو” ليحتفل بعيد ميلاده الثامن عشر، لكنه وجد والدهما قد فارق الحياة إثر نوبة قلبية حادة داخل مسبح المنزل الجديد.

منذ تلك اللحظة، اتخذ روبرتو قراراً مصيرياً: التضحية بأحلامه الكروية ليتحول إلى أب، وحامٍ، ودرع شقيقيه الصغير من العالم. لكن هذا الحصار العاطفي، الذي أُريد به الخير، صنع من رونالدينيو إنساناً عاجزاً عن مواجهة العواقب، طفلاً كبيراً لم يتعلم يوماً كيف ينضج أو يتخذ قراراً مسؤولاً.

العبقرية المشروطة بسهر الليالي

انفجرت موهبته في سن الثالثة عشرة حين سجل 23 هدفاً في مباراة واحدة (23-0)، لينطلق سهم صعوده دون توقف نحو باريس ثم برشلونة. في عام 2005، كان يتربع على عرش كرة القدم حاملاً الكرة الذهبية وهو في الخامسة والعشرين فقط، لدرجة جعلت جماهير الغريم التقليدي ريال مدريد تقف في ملعبها وتصفق له بحرارة.

لكن العبقرية كانت تأتي دائماً مصحوبة بشرط “الاستمتاع بلا حدود”.

يعترف زملاؤه القدامى في باريس سان جيرمان بأنه لم يكن يتدرب طوال الأسبوع، بل يظهر فقط يوم الجمعة ليلعب السبت. وفي برشلونة، تحول الأمر إلى أزمة انضباط؛ كان يعزف على طبول “البونجو” حتى الثانية صباحاً كل ليلة، بل وتردد أنه اشترط في بعض عقوده اللاحقة بنداً يمنحه الحق في الاحتفال ليلتين أسبوعياً.

هذا النمط الاستهلاكي دفع المدرب “بيب غوارديولا” عام 2008 للتخلص منه فوراً، ليخرج أعظم لاعب من الباب الضيق وهو في الثامنة والعشرين فقط من عمره بسبب “الحفلات”.

علبة مياه غازية تُكلف 700 ألف دولار!

لم يتوقف التدمير الذاتي عند الملاعب، بل امتد للامبراطورية التجارية. في لقطة تلخص الاستهتار، فقد رونالدينيو عقداً مع شركة “كوكاكولا” قيمته 700 ألف دولار سنوياً، والسبب؟ ظهر في مؤتمر صحفي رسمي يبثه التلفزيون وأمامه علبة “بيبسي” (المنافس التقليدي)، ليخسر العقد في ثوانٍ لأن كبرياءه غلب التزامه المهني.

وبحلول عام 2018، تبخرت ثروته التي قُدرت بـ 90 مليون دولار خلال مسيرته. وبسبب غرامات بيئية لإنشائه رصيف صيد غير قانوني، تراكمت عليه ديون طائلة، لدرجة أن السلطات البرازيلية صادرت 57 عقاراً من أملاكه، وسحبت جوازي سفره الإسباني والبرازيلي، وتناقلت الصحف تقارير صادمة تفيد بأن حسابه البنكي لم يكن يحتوي سوى على “خمسة جنيهات إسترلينية” فقط!

أغبى خطة.. وسجين يبحث عن ابتسامته خلف القضبان

بلغت الفوضى ذروتها في مارس 2020، حين أراد السفر إلى باراغواي لحضور حدث خيري للأطفال المحرومين. وبما أنه لا يملك جواز سفر، استمع لنصيحة فريقه التسويقي الساذجة، واستخرج جواز سفر باراغويانياً “مزوراً”.

المفارقة الساخرة والقاسية التي وصف محاميه بسببها موكله بـ”الغبي”، هي أن القانون يتيح للمواطن البرازيلي دخول باراغواي ببطاقة الهوية الوطنية فقط دون الحاجة لجواز سفر! لكن رونالدينيو ورط نفسه في جناية دولية معقدة، واستخدم تزويراً مفضوحاً لوجه هو من الأشهر في تاريخ القارة.

أُلقي القبض عليه وعلى شقيقه، واقتيدا إلى سجن “تاكومبو” المكتظ. هناك، قال صديقه لاعب باراغواي السابق نيلسون كويفوس بعد زيارته: “لقد فقد رونالدينيو الابتسامة التي ميزت حياته.. إنه في مكان لا يناسبه”.

ومع ذلك، لم يستطع الساحر أن يتوقف عن كونه رونالدينيو حتى خلف القضبان؛ نال حب السجناء، ووقع لهم على القمصان، وشارك في بطولة “كرة الصلاة” للسجن، ليقود فريقه للفوز في النهائي بنتيجة (11-2) ويحتفل بعيده ميلاده الأربعين حزيناً، وبيده كأس دورة السجن بدلاً من كأس العالم.

خرج رونالدينيو لاحقاً بكفالة بلغت 1.6 مليون دولار ليقضي إقامة جبرية في أحد الفنادق تمهيداً للمحاكمة التي واجه فيها عقوبة تصل إلى 5 سنوات، تاركاً للعالم درساً إنسانياً بليغاً: أن الموهبة وحدها قد ترفعك إلى عنان السماء، لكن غياب العقل والانضباط كفيل بهدم القمة فوق رأس صاحبها.

طالع المزيد:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى