د. محمد الجوهري يوضح ملامح “النسخة المحدثة” لوثيقة ملكية الدولة
.. الإصلاح الاقتصادي ورسم حدود الاستثمار
كتب: على طه
فى قراءة تحليلية للنسخة المدثة من “وثيقة ملكية الدولة”، أوضح الخبير الاقتصادى الدكتور محمد الجوهري أن الإعلان الجديد يمثل نقطة تحول عملية في مسار التنمية الاقتصادية في مصر؛ مستعرضاً الفارق بين الأمس واليوم.
كما أوضح د. الجوهرى خلال استضافته ببرنامج “الاقتصاد 24” المقدم على القناة الأولى للتليفزيون المصرى، فترات التدخل الحكومي، آليات التخارج العادل، والفرق الجوهري بين “تمكين القطاع الخاص” وسياسات “الخصخصة القديمة”.
من النوايا إلى خريطة الطريق (تحول استراتيجي عبر 4 سنوات)
وقال د. الجوهرى إن الخطوة الأولى كانت فى (عام 2022)، حيث شهدت صدور النسخة الأولى من “وثيقة ملكية الدولة” للافصاح عن نية الحكومة في التخارج من بعض الأصول وتوسيع قاعدة مشاركة القطاع الخاص لتوطين الصناعات وتحقيق الإصلاح، وأن النسخة المحدثة (اليوم) تأتى بعد أربعة أعوام من الإعلان الأول، وقد انتقلت الدولة من مرحلة “إعلان النوايا” إلى “صياغة خريطة طريق تنفيذية وقاطعة”. تم تحديد القطاعات بشكل دقيق عبر ثلاثة مسارات:
أولا: قطاعات ستتخارج منها الدولة بصورة نهائية.
ثانيا: قطاعات ستستمر فيها الدولة عبر مشاركة جزئية مع القطاع الخاص.
ثالثا: مشروعات استراتيجية ستقف الملكية والسيطرة الكاملة فيها تحت يد الحكومة لاعتبارات الأمن القومي.
مطلب محلي ودولي
وأكد د. الجوهري أن توضيح حدود التدخل الحكومي وتحديث الوثيقة لم يكن فقط مطلباً شعبياً وجماهيرياً لتحفيز السوق، بل كان خطوة تنظيمية أساسية تماشياً مع متطلبات صندوق النقد الدولي لإعادة التمويل والشراكة الائتمانية.
فلسفة الاستعانة بـ “العقول لا الأموال فقط”
ردّاً على التساؤلات حول أسباب ضخ ميزانية الدولة في مشروعات ضخمة خلال الفترة الماضية، أوضح د. الجوهري أن الاقتصاد المصري مر بظروف عصيبة واستثنائية (أمنياً وسياسياً)، حيث كان القطاع الخاص يحجم عن المخاطرة؛ فكان لزاماً على الدولة أن تتدخل بقوة كـ “قاطرة إنقاذ” لتهيئة البنية التحتية والبيئة الاستثمارية.
أما عن أهمية دخول القطاع الخاص (المحلي والأجنبي) في المرحلة الراهنة، فتتلخص في محورين، كما أفاد الخبير الاقتصادى، وهما: إدخال أفكار وعقول جديدة، لأن المشاريع الاستثمارية لا تُدار بالأموال فحسب، بل تنجح بـ “العقول والإدارة المرنة”، والابتكار الذي يواكب العصر.
والمحور الثانى: صناعة فرص العمل من خلال ضخ دماء جديدة في الشراكات سيسفر عن مشروعات مبتكرة تخلق مئات الآلاف من فرص العمل الجديدة للمواطنين.
وواصل د. الجوهرى موضحا أن القطاع الخاص لم يكن غائباً عن المشهد طوال السنوات الماضية؛ فمشروعات البنية التحتية العملاقة التي تبنتها الحكومة، جرى تنفيذ الجزء الأكبر منها عبر شركات المقاولات والقطاع الخاص “من الباطن”، لكن الأوان قد حان الآن ليكون شريكاً أصيلاً ورسمياً في التنمية الحقيقية ومستهدفات رؤية مصر 2030.
الخطوط الحمراء للأمن القومي (ما لا يمكن التخارج منه)
وحسم الخبير الاقتصادي الجدل المثار حول بعض القطاعات، مستنداً إلى التصريحات القاطعة لرئيس مجلس الوزراء، ومؤكداً أن هناك أصولاً سيادية ومرافق حيوية تمثل أمن مصر القومي والبلد غير قابلة للبيع أو التخارج مطلقاً، ومنها قناة السويس (بما في ذلك البنية الأساسية والتكنولوجية التابعة لها)، والسد العالي ومشروعات توليد الكهرباء الأساسية، وشبكة السكك الحديدية والنقل العام.
مساحات الشراكة البديلة
وفي مقابل الحظر على المرافق السيادية، تتيح الدولة للقطاع الخاص الفرصة في المشروعات المكملة، مثل: (مشروعات الطاقة المتجددة، إدارة المناطق اللوجستية المحيطة بقناة السويس، التطوير العقاري والإسكان، والأمن الغذائي، والصناعات التحويلية وإعادة تدوير المحاصيل لغرض التصدير).
الفارق الجوهري بين “الوثيقة” و”خصخصة العهد الماضي”
ووضع د. الجوهري تفرقة حاسمة بين التوجه الاقتصادي الحالي وما جرى في تجارب سابقة، موضحا وجه المقارنة بين برنامج الخصخصة القديم ووثيقة ملكية الدولة الحالية.
وواصل: غياب الدراسة والمنهجية أنتجت قرارات غير مدروسة؛ اعتمدت على التخلي الكامل عن القطاع العام دون خريطة طريق.
والآن لدينا ثيقة منظمة تسير وفقاً لجدول زمني محدد وتقييمات علمية دقيقة.
وعوضا عن آلية التسعير والبيع بأسعار غير عادلة (بَخسة) والتى أدت لخسائر متبادلة، أو مبالغ فيها طردت المستثمرين، الآن هناك لجان متخصصة تعمل على تسعير عادل للأصول لضمان عدم خسارة الدولة أو المستثمر.
وتحول الحكومة نحو الدور الأساسي وهو الرقابة والتنظيم (رقابة الضرائب، حماية البيئة، وحقوق العمال).
الأثر المباشر على المواطن والمدى الزمني
وأشار د. الجوهري إلى وجود تحركات متسارعة وبتنسيق رفيع المستوى بين المجموعة الوزارية الاقتصادية (وزير الاستثمار، رئيس الوزراء، ونائب رئيس الوزراء للتنمية الاقتصادية) لتعجيل إنفاذ الوثيقة.
ومن المتوقع بنهاية العام الحالي طرح العديد من الشركات الناجحة للاكتتاب بالبورصة المصرية وتجهيز أسواق المال لاستيعابها.
وفى الإجابة عن سؤال كيف سينعكس ذلك على المواطن؟، قال د. الجوهرى إنه سيحدث من خلال المشاركة في الثروة: إتاحة الفرصة للمواطنين وصغار المستثمرين لتملك حصص في مشروعات حكومية ناجحة ورابحة عبر شراء الأسهم من البورصة.
وإنعاش الخزانة العامة، حيث يوفر التخارج سيولة مالية ضخمة للخزانة العامة، مما يخفف الأعباء والديون عن موازنة الدولة، ويتيح توجيه تلك الأموال لتحسين الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم وتخفيف وطأة الضغوط الاقتصادية على المواطن البسيط.





