تحليل شامل لصفقة الـ “60 يوماً” يقدمه عبد الغنى: اختبار نوايا مشروط وإسرائيل تعيش صدمة

كتب: على طه

استهل الكاتب الصحفي والمحلل السياسي عاطف عبد الغني قراءته لمذكرة التفاهم الموقعة بين واشنطن وطهران بالتأكيد على صبغتها المؤقتة، محذراً من المبالغة في تقدير تداعياتها، ومشددا على أن ما جرى ليس اتفاقية نهائية أو حلاً شاملاً، بل هو صيغة “إطارية” تهدف لإدارة الأزمة الحالية وتبريد الجبهة الإيرانية ومن خلفها جبهات الإسناد الإقليمية (وفي مقدمتها الجبهة اللبنانية المعقدة) بعد جولة قتال مريرة تجاوزت الـ 100 يوم، مؤكدا على أن طبيعة الاتفاق (إدارة أزمة لا تسوية شاملة).

جاء ذلك خلال مشاركة عبد الغنى فى برنامج “حوار اليوم” المذاع على قناة “النيل للأخبار” فى حلقة بعنوان: “مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران .. تسوية نهائية أم هدنة مؤقتة ؟” من تقديم الإعلامية دينا صلاح الدين.

اختبار نوايا مشروط

وأوضح الكاتب الصحفى أن مدة الاتفاق 60 يوماً فقط، ويرتكز على بنود مشروطة ومفتوحة على كافة السيناريوهات، حيث يحتفظ كل طرف بجهوزيته لاستئناف القتال في حال الخرق.

وفيما يخص ترتيبات جنيف الدولية، أشار عبد الغني إلى أن الإعلان الرسمي والتوقيع على الاتفاق المقرر يوم الجمعة في جنيف، يأتي برغبة من إدارة ترامب لإعطاء الزخم الدبلوماسي وحشد مساندة دولية واسعة، بغية كبح جماح إسرائيل وتحجيم اندفاعها العسكري.

 بنود الاتفاق (الشق العسكري والأمني والاقتصادي)

وفكك عبد الغني البنود التي جرى تسريبها والإعلان عنها من قبل الرئيس دونالد ترامب، واصفاً إياها بأنها تصب بوضوح – في المرحلة الحالية- لصالح إيران، موضحا أنها جاءت كالتالى:

                  ┌────────────────────────────────────────┐
                  │  ملامح التفاهمات الأمريكية الإيرانية  │
                  └───────────────────┬────────────────────┘
                                      │
         ┌────────────────────────────┼────────────────────────────┐
         ▼                            ▼                            ▼
   المسار العسكري               المسار الاقتصادي             المسار النووي والصاروخي
  ───────────────              ─────────────────            ────────────────────────
  • وقف إطلاق نار لـ60 يوماً.   • الإفراج عن 12 مليار       • تخفيض التخصيب من 60%
  • رفع الحصار عن الموانئ       دولار من أصل 24 مليار         إلى 3.67% (سلمي).
    الإيرانية خلال أول 30 يوماً.   مجمدة في واشنطن.          • نقل الغبار والنفايات
  • ضمان حرية الملاحة بمضيق     • السماح بتصدير النفط         النووية لطرف ثالث (الصين).
    هرمز وتسيير السفن مجاناً.      والبتروكيماويات بحرية.    • [غـيـب تـام] للملف الباليستي
                                • تأسيس صندوق إعمار بـ300     أو تفكيك الفصائل الحليفة.
                                  مليار دولار لتعويض إيران.

 خلف الأبواب المغلقة

 ولفت عبد الغني إلى وجود جدل لم يُحسم بعد خلف الكواليس حول بند مضيق هرمز، وما إذا كانت إيران ستفرض مستقبلاً “رسوم خدمات” على عبور السفن أم لا.

زلزال يضرب تل أبيب

وفقاً لرؤية عاطف عبد الغني، فإن الداخل الإسرائيلي -على المستويين السياسي والشعبي- يعيش حالة صدمة وإحباط عميق لأكثر من سبب أولها: تحطيم الأهداف الاستراتيجية: سعت حكومة اليمين المتطرف بزعامة نتنياهو لجر الولايات المتحدة إلى حرب شاملة ومباشرة طوال العقود الثلاثة الماضية (منذ حقبة أوباما)، بهدف تدمير البنية التحتية الإيرانية بالكامل وإنهاء النظام الحالي.

وحسب الكاتب ترى إسرائيل أن الاتفاق أغفل تماماً خطر ترسانة إيران من الصواريخ الباليستية، ولم يلزمها بتفكيك أذرعها في المنطقة (مثل حزب الله، الحوثيين، والفصائل العراقية).

أوهام “الحل النهائي” المسياني

صعود اليمين الديني المتطرف في الشارع الإسرائيلي بنسبة تجاوزت 30% (أمثال سموتريتش وبن غفير) غدّى أساطير إعلان “المملكة اليهودية” والحل النهائي للقدس، وهي أوهام اصطدمت ببراغماتية ترامب.

توظيف القوى الدينية: أشار المحلل السياسي إلى مفارقة تلاعب إسرائيل بالملف الديني؛ حيث تدّعي العلمانية لكنها وظفت وصنعت جماعات لضرب وحدة الصف الفلسطيني (مثل رعاية حماس لإضعاف فتح)، بينما تخشى في المقابل خروج قوى دينية عقائدية منظمة ومسلحة عن السيطرة (كالنموذج الإيراني) تهدد وجودها.

رابعاً: ماذا جَنى ترامب؟

ورداً على سؤال المذيعة حول المكاسب الأمريكية، أكد عبد الغني أن ترامب غلّب مصالحه الذاتية والاقتصادية المباشرة على حساب – ما تراه إسرائيل يمثل “أمنها الاستراتيجي”، مضيفا أن ترامب والإدارة الجمهورية يرغبان في دخول انتخابات التجديد النصفي للكونجرس ولديهم أوراق قوة رابحة تثبت للناخب الأمريكي نجاحهم في إيقاف الحروب المكلفة مادياً وبشرياً.

أيضا مكسب لأمريكا أن يضمن الاتفاق انسياب خُمس التجارة العالمية عبر مضيق هرمز، وتدفق النفط من الحلفاء الإقليميين (كقطر والإمارات) والنفط الإيراني، مما يؤدي لخفض أسعار الطاقة عالمياً وتخفيف حدة التضخم داخل أمريكا.

وألمح عبد الغنى إلى أن واشنطن تسعى لإنشاء مظلة دولية بقيادة مجموعة السبع (بمشاركة فرنسا، ألمانيا، اليابان، ودول الخليج) لتأمين الممرات البحرية كبديل للتدخل العسكري المباشر والمكلف.

الانعكاس الإقليمي والسيناريوهات المفتوحة

وأكد عبد الغني أن دول المنطقة (وفي مقدمتها مصر والمملكة العربية السعودية) تتطلع للاستقرار وترفض الحروب، إلا أن هذا الاتفاق حمل في طياته خطورة غير مباشرة، تتمثل فى أن تبريد الجبهة الإيرانية قد يستغله نتنياهو لتوجيه كامل طاقته العسكرية لترسيخ واقع استعماري جديد على الأرض؛ عبر قضم نصف مساحة قطاع غزة على الأقل وتثبيت “الخط الأصفر” الفاصل، بالتوازي مع تصعيد وتيرة الاستيطان والتنكيل في الضفة الغربية.

السيناريوهات المستقبلية لـ “الستين يوماً”

وأشار عبد الغني إلى أن شخصية ترامب “التي لا يمكن التنبؤ بها” تجعل كل الاحتمالات واردة؛ فالأجهزة الاستخباراتية ستعمل بقوة خلال فترة الهدنة.

وقد يتراجع ترامب عن تعهداته  مع إيران فجأة (والكلام لعبد الغنى) مضيفا أن ترامب قدم لإسرائيل ما لم يقدمه سلفه من حكام أمريكا، مذكرا بما فعله في ولايته الأولى بنقل السفارة الأمريكية للقدس وتبنيه مشروع “تصفية القضية الفلسطينية” بدفع من صهره جاريد كوشنر.

وقال عبد الغني إنه في المقابل، يواجه نتنياهو (المعروف بلقب سيد إيران) مأزقاً داخلياً حاداً مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، وسط سردية شعبية متصاعدة تتهم أمريكا باستخدام إسرائيل لمصالحها الخاصة فقط.

زواج كاثوليكي

وأوضح عبد الغني أن الخلاف الحالي بين ترامب والحكومة اليمينية المتطرفة في إسرائيل بقيادة نتنياهو لا يعني انفصام العرى بين الجانبين، وأن العلاقة بين أمريكا وإسرائيل أشبه بالزواج الكاثوليكي (لا طلاق فيه). وأجرى عبد الغني مقارنة بين إدارة رئيس أمريكا السابق الديمقراطي، جو بايدن، والإدارة الجمهورية الحالية بقيادة ترامب، وما قدمته كل إدارة لإسرائيل، مؤكداً أن ترامب خلال ولايتيه الأولى والثانية قدم لإسرائيل ما لم يقدمه أحد.

واستدرك عبد الغني موضحاً أن نتنياهو كاد أن يجر ترامب إلى حرب مع إيران، لولا أن أدرك الأخير الخطأ، والتفت إلى تحذيرات الاستخبارات الأمريكية من أن إيران قد تلجأ إلى إعلان القنبلة النووية كحل أخير، وهو ما جعل الإدارة الأمريكية تعيد حساباتها مرة أخرى، وتصل إلى الهدنة والمباحثات (الحل الدبلوماسي)، معتبراً أن هذا الحل أحسن لإسرائيل أيضاً وليس لأمريكا فقط.

المرحبون بالاتفاق والرافضون له

وعدّد عبد الغني الدول المرحبة بالاتفاق، ومنها بالطبع دول الخليج، وتركيا، ومصر، مذكّراً بأن قطر كانت أحد الوسطاء. وعلى الجانب الآخر، هناك رافضون لهذا القرار، ومنهم فصائل في الداخل الإيراني، والإسرائيلي؛ لافتاً إلى أن هذا الاتفاق سوف يمنح إيران فرصة للانفتاح على جيرانها والعالم، ويكذّب الرواية الإسرائيلية عن إيران بأنها دولة منبوذة ومعادية لجيرانها.

وأكد عبد الغني أن هذا الاتفاق سوف يفتح آفاقاً جديدة للعلاقات الإيرانية الخليجية تحديداً، مؤكداً أن المنطقة سوف تتغير عندما تتوقف الحرب، ومحذراً من أن إسرائيل لن تسكت على هذا، وسوف تحاول استفزاز إيران لإشعال الحرب مرة أخرى، وكذا تصدير الفتنة بين إيران وترامب لينكص عن اتفاقه. وأضاف عبد الغني أن ترامب متيقظ لما سبق، ويدل على هذا تحذيراته الأخيرة لنتنياهو.

ضمانات أم شروط لتنفيذ الاتفاق؟

وقال عبد الغني إنه ليست هناك ضمانات لهذا الاتفاق تمنع انهياره، لكن هناك شروط، وأن تنفيذ بنوده يوجب على الجانبين الوفاء بما اتفقا عليه دون مراوغة، مبيناً أن إيران تريد أن تحصل على أكبر قدر من المكاسب، وتتحفظ لنفسها بخط رجعة، خاصة فيما يخص مشروعها النووي، وأنه يمكنها أن تعود وتستأنفه حال خرقت أمريكا أو إسرائيل هذا الاتفاق.

وانتهى عبد الغني إلى التأكيد على أن الخلافات الجوهرية والاستراتيجية ليست بين إيران وأمريكا، ولكن بين إيران وإسرائيل، وأن على الإيرانيين أن يكونوا متيقظين ولا يمنحوا إسرائيل فرصة الوقيعة بينهم وبين أمريكا من خلال استغلال الدعايات المستفزة لأمريكا وترامب بالتعلية عليهما، وشعارات هزيمة أمريكا وإذلالها.

جدير بالذكر أن فريق عمل حلقة أمس الثلاثاء من برنامج “حوار اليوم” مكون من: رئيس التحرير : نرمين الحناوي
مقدمة البرنامج : دينا صلاح الدين، وفريق الإخراج : أحمد معوض – أحمد يحيي.

شاهد الحلقة كاملة:

طالع المزيد:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى