بعد إسكات المدافع.. كيف يواجه النظام الإيرانى استحقاقات الداخل المؤجلة؟
مصادر – موقع بيان الإخبارى
تسكت المدافع وتنطفئ محركات المقاتلات وتصمت دوي الانفجارات، ثم تبدأ فى الداخل الإيرانى السيرورات السياسية ومرحلة “إعادة الإعمار” والتقاط الأنفاس.
لكن يرى بعض المراقبون مستقبل آخر لإيران، مؤكدين أن الصورة ستبدو مغايرة تماماً؛ فمع انتهاء المواجهة العسكرية الأخيرة، لا تبدو البلاد مقبلة على حقبة استقرار، بقدر ما تجد نفسها وجهاً لوجه أمام استحقاقات داخلية ملغومة، قد تكون أكثر تعقيداً وشراسة من الحرب ذاتها.
وإذا كان النظام الإيراني قد نجح في العبور من مضيق المواجهة العسكرية المباشرة وحافظ على هيكله السياسي وبقائه، فإن السؤال المصيري الذي يفرض نفسه اليوم: هل تمتلك طهران القدرة على إدارة تداعيات ما بعد الحرب، في ظل اقتصاد مثقوب، ومجتمع يطحنه الفقر، وبنية سياسية تشهد تحولات راديكالية في مراكز النفوذ وصناعة القرار؟
اقتصاد مثخن بالجراح
تواجه إيران اليوم الأزمة الاقتصادية الأقسى والأعنف منذ قيام نظام “الجمهورية الإسلامية” عام 1979. فلم تعد المسألة مجرد تراجع في مؤشرات النمو، بل تحولت إلى نزيف هيكلي حاد تعكسه البيانات الرسمية.
وتشير الأرقام إلى فقد نحو مليوني شخص وظائفهم ومصادر دخلهم خلال الأشهر القليلة الماضية جراء تداعيات الحرب.
وانضمام ما بين 4.5 إلى 5.5 مليون إيراني إلى دائرة الفقر المدقع منذ اندلاع العمليات العسكرية، ليضافوا إلى نسبة الـ 40% من السكان الذين كانوا يعيشون أصلاً تحت خط الفقر قبل الحرب.
وقفزة فى أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية بمعدلات جنونية تجاوزت عتبة 100% وفق بعض التقديرات غير الرسمية، مما أدى إلى سحق القدرة الشرائية للأسر.
شلل الاقتصاد الرقمي: يجمع الخبراء على أن جزءاً كبيراً من هذه الخسائر الكارثية يعود إلى عامل ذاتي، وهو الانقطاع الطويل والشامل لخدمات الإنترنت الذي فرضته السلطات لأشهر لدواعٍ أمنية، مما تسبب في شل قطاع الخدمات والتجارة الإلكترونية التي تشكل شريان الحياة المالي لملايين العائلات.
ورغم الأنباء المتداولة عن احتمال الإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة (التي تقدر بمليارات الدولارات) أو تخفيف العقوبات ضمن تفاهمات الهدنة مع واشنطن، يرى المحللون أن هذه المسكنات لن تحدث فارقاً سريعاً؛ فالأزمة الإيرانية باتت “بنيوية وهيكلية” تراكمت عبر عقود من سوء الإدارة، ولم تعد مرتبطة بالعقوبات أو الحروب وحدها.
صعود الجنرالات لملء الفراغ
ويقول المراقبون أيضا إن المدافع أفرزت واقعاً سياسياً جديداً داخل كواليس الحكم في طهران، يتمثل في التنامي غير المسبوق لنفوذ المؤسسة العسكرية والأمنية (وعلى رأسها الحرس الثوري) على حساب المؤسسات المدنية.
وفي بلد يمر بمرحلة انتقالية شديدة الحساسية، يثير هذا التمدد هواجس حقيقية.
┌────────────────────────────────────────────────────────┐
│ معضلة عسكرة السلطة في إيران │
└───────────────────────────┬────────────────────────────┘
│
┌──────────────────┴──────────────────┐
▼ ▼
[ غياب الحكم التاريخي ] [ عقلية الميدان ]
غياب المرشد علي خامنئي الذي عقلية إدارة المعارك تختلف
كان يمسك خيوط التوازن بين عن إدارة الأزمات الاقتصادية
المؤسسات المتنافسة داخل الدولة. كالمنظومة المعيشية والبطالة.
وتتجه الأنظار اليوم صوب المرشد الجديد مجتبى خامنئي؛ حيث يترقب المراقبون بحذر ليروا ما إذا كان يمتلك الكاريزما والنفوذ السياسي الكافي لأداء دور “الحكم والضابط للإيقاع” بين مراكز القوى المتصارعة، والحفاظ على تماسك البنية السياسية دون أن تبتلعها الأجهزة الأمنية بالكامل.
الهدوء الذي يسبق العاصفة
وعلى الرغم من مشاهد الحشد والتعبئة العامة والشعارات الحماسية التي ضختها الماكينة الإعلامية الرسمية إبان الحرب، إلا أن الشارع الإيراني في حقيقته لم يمنح السلطة “شيكاً على بياض”.
واختارت الكتلة الحرجة من المواطنين بوعي مبدأ الترقب والانتظار، مفضلةً عدم الانخراط في دعم أعمى أو معارضة صدامية وسط أجواء الحرب.
وتعكس القبضة الأمنية المشددة فى البلاد مشاعر الحساسية المفرطة التي أبدتها الأجهزة الأمنية تجاه أي تجمع أو بادرة احتجاج صغيرة، عمق المخاوف الرسمية من “اليقظة المفاجئة” للشارع.
حقيقة سيكولوجية الجماهير: تُثبت التجارب التاريخية في إيران أن الاحتجاجات الكبرى لا تنفجر في ذروة المعارك العسكرية أو الأزمات الأمنية، بل تشتعل شرارتها بعد انحسارها. عندما يسكت صوت الرصاص، يعود المواطن ليرى واقعه المعيشي المتردي، ويتراجع تأثير الخطاب القومي والتعبئة الروحية، لتطفو على السطح الأسئلة الصعبة: من يدفع فاتورة الحرب؟ ولماذا تبخرت وعود الرخاء؟
صراع النفوذ المكتوم
لن يقتصر الصدام القادم على الشارع والحكومة، بل سيمتد إلى عمق بنية السلطة ذاتها. فمع عودة الاستقرار النسبي، ستبدأ النخب السياسية التقليدية والمؤسسات الدبلوماسية والتشريعية في التململ، والمطالبة بكبح جماح الدور العسكري وإعادته إلى ثكناته.
هذه المؤسسات التي تنازلت طواعية عن بعض صلاحياتها تحت وطأة “الضرورات الأمنية للحرب”، لن تقبل بسهولة استمرار هذا الوضع في السلم، مما يمهد لصراع نفوذ مكتوم وصامت حول تقاسم كعكة القرار ومستقبل البلاد الاستراتيجي.
معضلة ما بعد النجاة
قد تكون طهران قد كسبت جولة “البقاء” وخرجت من أخطر مواجهة عسكرية في تاريخها الحديث دون سقوط نظامها، لكنها لم تتجاوز بعد الفخ المنصوب لها في اليوم التالي للحرب.
إن التحدي الوجودي الحقيقي الماثل أمام النظام الإيراني اليوم لا يكمن في كيفية خوض الحرب والنجاة منها، بل في كيفية إدارة ركامها الاقتصادي والاجتماعي. فبين اقتصاد نازف، ومجتمع متخم بالإحباط، ومؤسسات تتصارع على الصلاحيات، تبدو المرحلة القادمة المنعطف الأكثر خطورة وحساسية منذ ولادة الجمهورية الإسلامية عام 1979.





