د. جمال مختار في ندوة “موقع بيان الإخبارى”: السيادة الغذائية أمن قومي
.. تجربة "الكرام" تثبت أن الرهان على القطاع الأهلي
كتب: على طه
تحت عنوان “النهضة الزراعية الحديثة ومستقبل الاستدامة الغذائية في مصر.. تجربة الكرام مثالاً”، ألقى الخبير الاقتصادي الدكتور جمال مختار، رئيس مجموعة شركات الكرام، كلمته خلال مشاركته في ندوة “الغذاء كرافد من روافد الأمن القومي” التي نظمها “موقع بيان الإخباري”.
وخلال الكلمة دق د. مختار ناقوس الخطر بشأن فاتورة الاستيراد، مستعرضاً في الوقت ذاته نموذجاً عملياً لكيفية تحويل الأراضي القاحلة إلى قلاع إنتاجية تحقق الاستدامة عبر “الاقتصاد الدائري”.
معضلة الـ 120 مليون فم
استهل د. جمال كلمته بتساؤل صادم الحضور حول طبيعة الوجبة اليومية للمواطن البسيط، حين قال: “كلنا نأكل الفول والطعمية والخبز والزيت، لكن الصدمة أن 75% من مكونات سندوتش الفول والطعمية مستوردة من الخارج! القمح مستورد، الفول في أغلبه مستورد، والزيوت نستورد منها 98%. نحن سوق مفتوح يضم 120 مليون فم تستهلك يومياً، وإذا استمر هذا الاعتماد على الخارج، فكيف سنحافظ على استدامة أمننا الغذائي في المستقبل؟ هل ننتظر حتى نأكل خضاراً معلباً ومستورداً تصنعه دول أخرى؟”
البكاء على الأطلال
وشدد مختار على أن البكاء على الأطلال والمقارنة بين الماضي والحاضر لا تفيد، بل إن الحل يكمن في خطوتين: ترشيد الاستهلاك الشخصي عبر التخلي عن العادات غير الصحية ومواجهة السمنة بتقليل استهلاك الخبز غير المبرر، مما يخفض فاتورة استهلاك القمح والأدوية معاً، والخطوة الثانية هي الانتقال الفوري والكامل إلى الإنتاج الذاتي.
تجربة “الكرام”
واستعرض د. جمال تجربة الكرام فقال: من 7 فدادين قاحلة إلى منظومة اقتصادية متكاملة، موضحاً أن الفكرة بدأت عام 1992 على يد والده المهندس مختار علي محمد، حين كان جمال مجرد طالب في الثانوية العامة.
وواصل: بدأت الرحلة بـ 7.5 فدادين في أرض قاحلة لا يوجد بها سوى الشمس الحارقة والرمال، وتم استلهام الفكرة وتطويرها من تجارب دولية في تايلاند والمكسيك، عبر آلية “التعلم المستمر، ارتكاب الأخطاء، التراجع، ثم التحسين والتطوير”.
وقد حققت الشركة طفرة إنتاجية من خلال اكتشاف غير تقليدي في إعادة تدوير المياه، من مياه الأسماك السحرية، بدأت المنظومة بجلب زريعة أسماك وضعت في أحواض مياه ذات ملوحة عالية، وعند تغيير المياه، تم ري محصول “البرسيم” بها، لتحدث المفاجأة؛ البرسيم الذي رُوِيَ بمياه أحواض الأسماك نما وتضاعف بشكل مبهر مقارنة بالمياه العادية، نظراً لغنى مياه الأسماك بمخلفات الأعلاف وإخراج الأسماك الغني بالنيتروجين الطبيعي.
مضاعفة الحشّات
وأضاف الخبير الاقتصادى أنه بفضل هذه المياه الغنية، تمكنت المزرعة من جني من 12 إلى 13 حشة برسيم في السنة (تصل إلى 16 حشة في الصيف لسرعة النمو مقارنة بالشتاء)، في حين أن المزارع التقليدية لا تتجاوز 8 حشات فقط.
المؤسسية والاعتماد على العلم
وواصل: هذه الطفرة دفعت بالمشروع للتوسع وتأسيس شركتين مساهمتين هما (الكرام، والمصرية الكويتية)، والاستعانة بـ 14 خبيراً متخصصاً. وكان الرهان على العلماء الصادقين، مثل الدكتور صلاح (أستاذ معهد بحوث صحة الحيوان بطنطا)، الذي كسب ثقة الإدارة لأنه كان يملك شجاعة قول “لا أعلم وسأبحث”، بدلاً من الفتوى العشوائية.
وأكد د. جمال أن المشروع يدار اليوم بكوادر من أبناء المنطقة يجمعون بين حملة الماجستير والدكتوراه، وضباط، ومهندسين، وأطباء، ومحامين، وبنكيين.
التكيف الهيكلي ومواجهة أزمة الطاقة
وفي مواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة ورفع الحكومة لأسعار الطاقة والكهرباء في فترات متقاربة، كشف الدكتور جمال مختار عن استراتيجية المرونة التي اتبعتها المجموعة قائلا:
“لم نقف لنشتكي، بل تحركنا فوراً للاعتماد على الطاقة النظيفة. اتفقنا مع وزارة الكهرباء على إنشاء 12 محطة طاقة شمسية، نفذنا منها 4 محطات كاملة في غضون عام واحد، مستفيدين من مبادرات البنك الأهلي والبنك الزراعي المصري بفائدة 5% لدعم الطاقة المتجددة، وهي المبادرات التي تقاتل الدولة للحفاظ عليها لدعم قطاع الزراعة رغم ضغوط صندوق النقد والبنك الدولي لإلغائها ضمن برامج التثبيت والتكيف الهيكلي”.
حقيقة قطاع الأسماك: الرد على الشائعات
ودافع د. جمال بقوة عن جودة المنتج المصري من الأسماك، مبيناً أن الشائعات التي تروج بأن الأسماك تربى في مياه الصرف الصحي هي ادعاءات باطلة دحضها الخبراء الدوليون الذين أكدوا أن السمك البلطي المصري أنظف من نظيره في منابع النيل، والدليل أن باب التصدير بات مفتوحاً لكل الأنواع للخارج بفضل جهود الدولة ووزارتي الخارجية والزراعة.
وعن أزمة أسعار الأسمالك الحالية، أوضح أن الارتفاع يعود حصرياً إلى ارتفاع أسعار المدخلات والأعلاف عالمياً، مؤكداً أنه لولا وجود المشاريع القومية والأهلية الكبرى (مثل بركة غليون وغيرها) التي ضخت معروضاً ضخماً في السوق، لقفزت أسعار الأسماك إلى أرقام فلكية غير مسبوقة.
التوجه نحو “الاقتصاد الدائري” والزراعة الدقيقة
وشرح د. جمال مفهوم “الاقتصاد الدائري والدقيق” بلغة مبسطة تلخص فلسفة الإنتاج الحديث موضحا “أن تصبح مخرجات أي مرحلة إنتاجية، هي مدخلات آمنة للمرحلة التي تليها دون هدر”.
وأكد أن “الكرام” تطبق هذا المفهوم عبر أخذ مياه الصرف من أحواض أسماك البلطي، لتوجيهها إلى أحواض أسماك “القراميط”، ثم تؤخذ مياه الصرف المشتركة لري المحاصيل العلفية عبر رشاشات ذات فتحات واسعة لامتصاص الطحالب دون انسداد، مما يحقق أقصى إنتاجية ممكنة من الفدان الواحد.
الرسالة
واختتم الدكتور جمال مختار كلمته برسالة شديدة اللهجة تدعو إلى العمل والمسؤولية المجتمعية، مؤكداً أن العملة الحقيقية في مصر ليست الجنيه بل هي (الجدية والإرادة) وقاعدة “انوِ وربنا رب عطا”؛ فقد مر المشروع بثورتين (يناير ويونيو)، وأزمة كورونا، وأزمات سلاسل الإمداد الدولية (مثل أزمة السفينة إيفرجرين في قناة السويس)، وظلت الزراعة صامدة لأنها مرتبطة بمواعيد إنتاجية لا تنتظر السياسة.
وأضاف: “مصر تنتج 2.2 مليون طن من الأسماك، والقطاع الأهلي يمثل 80% من هذا الإنتاج الضخم، بينما يقتصر دور الحكومة على التراخيص وتوفير الطاقة والترع، لذلك، لا تطلب من الحكومة أن تزرع لك، بل شمّر عن ساعديك وانزل واشتغل.
وانتهى د. جمال مختار إلى القول: لا تقضِ يومك منحنياً على شاشة هاتفك تشتكي وتصخر من الغلاء على الإنترنت.
إذا كانت اللحمة أو الخضار غالية بشكل مبالغ فيه فقاطعها لتربية التاجر الجشع، واعتمد على البدائل الذاتية، فالأزمات الدولية -مثلما حدث في كورونا- أثبتت أن من يملك غلته ودقيقه في أرضه هو وحده سيد قراره”.
شاهد فيديو الكلمة





