عاطف عبد الغنى يكتب: 13 عاما على ثورة يونيو والحرب مستمرة

بيان
لم تكن ثورة الثلاثين من يونيو عام 2013 مجرد حراك سياسي عابر أو موجة احتجاجية مؤقتة في تاريخ مصر الحديث، بل تجلت في عمقها كضرورة وطنية إستراتيجية حتمية لحماية هوية الدولة المصرية وثقافتها الحضارية الأصيلة من محاولات الاختطاف والتشويه الممنهج.

في تلك اللحظة التاريخية الفارقة، تحركت الأقدار برحمة واسعة تجسدت في الوعي الفطري والجمعي للشعب المصري، الذي أثبت عبر عقود طويلة أنه البطل الحقيقي للمشهد وحائط الصد الأول والمنيع في مواجهة محاولات طمس الشخصية الوطنية، فخلال عام واحد فقط من حكم جماعة الإخوان، نجح المصريون بفضل حسهم السليم وإدراكهم الوطني في تفكيك المخططات المعقدة للجماعة، بعدما سقط الغطاء الدعوي والتربوي الزائف الذي تدثرت به عقوداً، وانكشفت حقيقتها الصادمة كتنظيم دولي عابر للحدود يسعى للسيطرة على مفاصل الدولة الحيوية وضرب مؤسساتها الوطنية الراسخة لإرساء ركائز تمكينه الخاص.

ومع تعاقب السنوات، تتأكد حقيقة أن معركة يونيو لم تنتهِ بانتصار سياسي ميداني فحسب، بل تحولت إلى معركة وعي مستمرة ومتجددة تتوارثها الأجيال، لا سيما في ظل أزمة الذاكرة التاريخية التي قد تواجه “الجيل الجديد” من الشباب، وتحديداً جيل “زد” وما بعده، وهو الجيل الذي لم يعاصر الصراعات التاريخية المريرة والدموية التي خاضتها الجماعة ضد الدولة ومقدراتها في حقبتي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.

ومن هنا، تبرز الأهمية القصوى والملحة للتحصين المستمر لعقول هؤلاء الشباب عبر تفعيل أدوات “القوة الناعمة” للدولة؛ وفي هذا السياق، يتجلى الدور المحوري والتنويري للدراما الوطنية الوثائقية، التي قدمت أعمالاً رصينة وعالية الجودة مثل مسلسلات “الاختيار” و”هجمة مرتدة”، حيث نجحت باقتدار في تقديم الحقائق شبه المجردة من واقع الوثائق، والتوثيق الدرامى لبطولات وتضحيات رجال القوات المسلحة والشرطة البواسل في دحر الإرهاب الأسود، لتبقى هذه الأعمال مرجعاً بصرياً وفكرياً يساهم فى حماية وعي الشباب من التزييف والتحريف الممنهج.

وبعد مرور 13 عاما على الثورة تأكد للجميع أن المواجهة الفكرية الشاملة لم تعد حبيسة المنابر أو المنصات التقليدية، بل انتقلت بالكامل إلى الفضاء الإلكتروني المفتوح ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث مازالت تنشط أذرع الجماعة ولجانها الرقمية في بث الشائعات، وزرع الإحباط، ومحاولات غسيل الأدمغة المستمرة.

وتتطلب المرحلة تفعيل آليات مواجهة استباقية تعتمد على “الهيمنة الرقمية” للخطاب الوطني، عبر امتلاك واستخدام تقنيات إعلامية رقمية متطورة وحديثة، تكون قادرة على قيادة السردية الوطنية، وفرض الحقائق بأسلوب بصري مبتكر يواكب تطلعات وطبيعة الشباب ويفكك الألغام الفكرية في مهدها قبل انتشارها.
ومع هذا الحراك الرقمي، بات لزاماً على مؤسسات الفكر والدين المعنية العمل الجاد على تبسيط المفاهيم الفكرية والدينية المعقدة وشرحها بأسلوب وسطي ميسر وسهل، لقطع الطريق تماماً على جماعات التطرف والفتنة التي تستغل نقص الثقافة الدينية بخاصة لدى الشباب لتزرع فى رؤوسهم مفاهيم وأفكار دينية مغلوطة.

ولا يسع المراقب المنصف إلا الإشادة بالموقف التاريخي الحاسم والشجاع للقيادة السياسية المصرية، متمثلة في المؤسسة العسكرية العريقة، وقائدها فى هذا التاريخ وزير الدفاع الفريق عبد الفتاح السيسي؛ والتي انحازت بشكل حازم وصادق وشفاف لإرادة الملايين التي فاضت بها ميادين مصر في الثلاثين من يونيو 2013.

ولم يكن هذا الانحياز التاريخي مجرد استجابة لمطالب شعبية هادرة، بل كان قراراً استراتيجياً مصيرياً أنقذ مصر من الانزلاق في مستنقع الفوضى، والدمار، والاحتراب الأهلي، وحماها من السيناريوهات المظلمة والدموية التي عصفت بدول الجوار الإقليمي.

لتبقى مصر واحة للأمن والاستقرار، تمضى في مسيرتها التنموية الشاملة نحو بناء الجمهورية الجديدة.

طالع المزيد:

عاطف عبد الغنى يكتب:  “سري للغاية”.. الإخوان فى وثائق السفارة الأمريكية بالقاهرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى