شبراوى خاطر يكتب: تشابه الأسماء في العالم الرقمي.. أحمد حلمي الصحفي
موقع بيان الإخبارى
في كتاب د. يونان لبيب رزق “العيب في ذات أفندينا” قرأت اسم “أحمد حلمي”… فتذكرت “الممثل”.. وسارعت للاستنارة برأي شريك حياتنا “العم جوجل” وسألته من “أحمد حلمي” مواليد 1968… وتوالت الإجابات في سطور متتالية الإجابات عن “أحمد حلمي” الممثل، والكاتب، ومقدم البرامج، ومعلومات عن أفلامه، حياته، زوجته، وابنته، مرضه، وبرامجه، وأصدقائه، إلخ.
ثم وصلت إلى الصفحة العشرين في موقع ويكيبيديا حيث ظهر إسم “أحمد حلمي” آخر وهو ما كان يقصده د. يونان. هو أحمد حلمي الصحفي، حيث ظهرت هذه الصفحة تائهة بين أكداس صفحات أحمد حلمي الممثل.
“أحمد حلمي” الصحفي المصري، ولد بحي الحسين بالقاهرة عام 1875، ومات أبوه قبل ولادته بينما اهتم خاله بتربيته وساعده في إدراك قطار الوظيفة الحكومية.
كانت ولادته بمنزل خاله الذي كان يعمل حينها بوزارة الأشغال كاتباً في هندسة ري الترعة الإسماعيلية. كان خاله يذهب به إلى مكتب يدعي «خان جعفر» بالحي الحسيني حيث تعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن وكثيراً ما كان خاله يقدم له نماذج مما اعتاد أن يكتبه في عمله، لإعداده لأن يكون كاتباً مثله في أحد دواوين الحكومة.
في نحو الخامسة عشرة من عمره، هاجر إلى الإسكندرية مشياً على الأقدام وهناك عمل في إحدى الشركات الأجنبية وتعلم اللغة الفرنسية كما تلقى ثقافة إسلامية أخذها عن أئمة المساجد في الإسكندرية. نجح حلمي في امتحان وزارة المالية وعمل بها مؤقتًا، إلى أن استقال ليعود للعمل بمصلحة المساحة، اتجه بعد ذلك للكتابة وكان يراسل جريدة السلام التي صدرت في الإسكندرية في مايو سنة 1898 ويوافيها بأخبار القصر والوزارات والمصالح، وعمل إلى جوار الزعيم مصطفي كامل في جريدة اللواء، (ليس مصطفي كامل الممثل والشاعر والمطرب ونقيب المهن الموسيقية السايق، من مواليد الأسكندرية عام 1970.)
ففي 2 يناير سنة 1900 تم إصدار جريدة اللواء للزعيم مصطفى كامل وكان أحمد حلمي بهيئة التحرير ، محرراً وأديباً وشاعراً، وكان مثالاً للناشئة المصرية إلى أن صار رئيساً لتحرير اللواء ومن وظيفته طالب بإنشاء وزارة للزراعة.
ليأتي عام 1906 وتقع مجزرة دنشواي بالمنوفية ويسافر أحمد حلمي إلى هناك لكي ينقل صورة البشاعة الإنگليزية هناك وكتب مقالة الذي اعتمد عليها مصطفى كامل في مساعيه لعزل اللورد كرومر، وعقب عزل كرومر وتولي جورست كان يعامل بمبدأ التفرقة فانتهج سياسة التفرقة بين المسلمين والأقباط فهاجم أقباط مصر ومنع عنهم بعض الوظائف بدعوى أن المسلمين أحق بها فما كان من أحمد حلمى إلا أن يهاجمه في جريدة اللواء.
“أحمد حلمي” الصحفي قام بنشر مقال شهير له بعنوان “يا دافع البلاء” عن حادثة دنشواي، وكان أول مطالب بإنشاء نقابة للزراعة ووزارة لها. وهو أول من قد تم اتهامه “بالعيب في الذات الملكية” إثر معارضته للخديوي عباس حلمي الثاني، وتم سجنه إثر ذلك. وأصبح بذلك أول صحفي يدعو إلى قلب نظام حكم سياسي بمصر، وحيث أورد في مقال له بيتين من الشعر أُعتبرت مثالاً للعيب في حق ذات ولي الأمر:
رمتنا بكم مقدونيا فأصابنا مصوب سهم للبلاد سديد
فلما توليتم طغيتم وهكذا إذا أصبح (القولي) وهو عميد
ودخل محبسه دون أن يتوقف قلمه عن الكتابة في جريدته “القطر المصري” التي اغلقت فيما بعد بمعرفة سلطات الاحتلال البريطاني، بعد إعادة صدورها وبنفس الحدة، ففي أحد أعدادهت كتب مقالاً بعنوان “صلاح الرعية بصلاح ملوكها” كان مما جاء فيه “فياكل ملك غشوم أو حاكم ظالم ما ضرك لو تتزود قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل فلا تحكم في عباد الله بحكم الجاهلين”.
وكان أهم ما قام به أحمد حلمى في ذلك الوقت هو حمل لواء الدعوة إلى توقيع آلاف العرائض إلى الخديوي عباس حلمي الثاني 1874 – – 1944، هو آخر خديوي لمصر والسودان، من 8 يناير 1892 حتى عزله في 19 ديسمبر 1914 للمطالبة بالدستور، ووصلت حملة التوقيعات إلى خمسة وسبعين ألف توقيع.
فتضايق الخديوي والإنگليز وتم تقديمه إلى المحاكمة بحجة تعديه حدود الأدب والواجبات الصحفية وبدأ نظر القضية أمام محكمة السيدة زينب في 5 أبريل 1909، وكان قاضى المحكمة علي ماهر باشا 1882 -1960 ، هو سياسي مصري شركسي بارز، شغل منصب رئيس وزراء مصر أربع مرات. وكان أول أستاد للقانون الدولي العام في الوطن العربي.
وفي يوم 24 أبريل سنة 1908 أصدر أحمد حلمى العدد الأول من مجلته القطر المصري وكانت أسبوعية، وبعد ستة أشهر أصبحت جريدة يومية سياسية أدبية تجارية إسلامية، ومن خلال مقالاته فيها اصطدم أحمد حلمي بالخديوي عباس حلمي الثاني حيث تم اتهام الخديوي بعداوته للأمة بعدم منحها مجلس نواب عندما سأل قائلاً حق مشروع تأخذ عائلة محمد على من الخزينة المصرية ثلاثمائة وخمسين ألف ليرة سنويا وأي شر دفعوه عنها أم أي خير جلبوه لها حتى يكال لهم المال جزافا؟!
ولذلك إتهمت النيابة أحمد حلمى أفندي بأنه تطاول على مسند الخديوية المصرية، وطعن في حقوق الحضرة الخديوية، وعاب في ذات ولى الأمر، وحكمت المحكمة يوم 29 أبريل من نفس العام بحبس أحمد حلمى عشرة شهور حبسا بسيطا وأمرت بتعطيل جريدته القطر المصري مدة ستة أشهر، وبإعدام كل ما ضبط وما يضبط من العدد 37 من الجريدة المذكورة، وأعفت المحكوم عليه من المصاريف وجعلت الكفالة لإيقاف التنفيذ ألف قرش، وهتف آلاف من جمهور الحاضرين داخل وخارج المحكمة منددين بالحكم ومرددين بهتافات حب لأحمد حلمي.
وبعد انقضاء مدة الحبس وتعطيل الجريدة توالت مقالاته، وفى عدد 26 نوفمبر يصدر العدد بمانشيت رئيسي هو فلتسقط حكومة الفرد. ضاقت الحكومة وسلطات الاحتلال بالجريدة وصاحبها فأصدرت قرارا بإغلاقها في 22 يناير سنة 1910
وبعدها عام 1914 أصدر جريدة صحيفة الشرق لمعالجة الشئون الاجتماعية والأدبية والتاريخية والعلمية. ثم أصدر جريدة الزراعة سنة 1919 التي دعت إلى إنشاء النقابات الزراعية وضرورتها.
كتب حلمي أيضا في صحف أخرى مثل صحيفة وادي النيل وكتب في «العلم» العديد من المقالات عن السجون المصرية مطالبا بإصلاحها وبعد إغلاق العلم صدر بدلاً منها «الشعب» فاتجه إليها حلمي.
ثم أصدر صحيفة «الشرق» في 4 يوليو سنة 1914م ومع بدء الحرب العالمية الأولى وما تبعها من تقييد الحرية وإعلان الأحكام العرفية في نوفمبر من ذات العام وفرض الرقابة على الصحف، تم اضطهاد الحزب الوطني وملاحقة رجاله ونفي بعضهم فاتجه حلمي إلى العمل في الزراعة لكنه لم ينسَ عمله الأول كاتبا صحفيا فاستمر في إرسال مقالاته إلى الصحف وأنشأ جريدة الزراعة في 25 أغسطس سنة 1919 وقد تخصصت بشؤون الزراعة. كما قام حلمي بتأليف كتاب «السجون المصرية في عهد الاحتلال الإنجليزي».
وظل حلمي يناضل ويحب حفيده “صلاح جاهين “حباً كبيراً وقام بسقيه من كل منابع الحرية، إلى أن توفي أحمد حلمي في يناير سنة 1936 في عمارته بشبرا.
وكما قال د. يونان لبيب رزق: “إن أحمد حلمي دخل التاريخ ليس فحسب من باب الشوارع ومواقف الحافلات.”
ويقول: إن “أحمد حلمي يعلم المشتغلون بالصحافة أنه أول مصري يدخل السجن بتهمة “العيب في الذات الملكية”، والصحفيون يرونه من خلال التمثال النصفي الكائن في مدخل نقابة الصحفيين.
ويعرفه أهل شبرا بعد أن أُطلق أسمه على أحد شوارع الحي القديم، كما يعرفه ركاب الحافلات المتجهة إلى الوجه البحري، لأن هناك موقف لها بإسمه، وأزيد على ذلك.. يُعرف الأسم وإن لم يُعرف دوره في حياة مصر وخاصة من كان منتبهاً في الثمانينات عندما اذاع “شعبان عبد الرحيم” خبرًا رج شوارع مصر ففى ألبومه الغنائى الأول أعلن أن “أحمد حلمي اتجوز عايدة وكتب كتابه الشيخ رمضان”.
وعاد عبد الرحيم لينفي الخبر في ألبومه الغنائى الثاني (ماتصدقوش يا جماعة دى إشاعات أحمد حلمي وعايدة أخوات) وهذا مما ذكرته في مقال لها “نيفين عمارة” في جريدة الأهرام في يونيو 2017، وحيث أضافت: أن “أحمد حلمي” لا يمكن أن نختزل تاريخه في كونه اسما لميدان فهو رجلًا صاحب تاريخ للأسف لا يعرفه الكثيرين ، فهو أول صحفى سياسى فى مصر.
في عام 1953 وفي مجله التحرير قدم الأستاذ فتحي رضوان وزير الإرشاد القومي في حكومة ثورة يوليو 1952 المناضلين عبد الله النديم وأحمد حلمي ــــ في لوحتين تذكاريتين علقت في صدر نقابة الصحفيين كأحد رواد القلم الحر في تاريخ النضال المصري.
وكما نشرت مجلة التحرير التي قالت فى تقديمها للخبر المناضلان عبد الله النديم ــ ابن الفران ــ وأحمد حلمى ــ الكاتب بمحكمة دمنهور ــ اللذان لم تعرف عنهما الأجيال الجديدة شيئا، جاءت حكومة الثورة ممثلة فى وزارة الإرشاد وفكرت فى إحياء ذكراهما اعترافا منها بما قدماه من تضحيات رائعة أخاذة فى ميدان الكفاح الوطنى كمثل لجهاد المجاهدين الصادقين.
وفي هذا الاحتفال، ارتجل الأستاذ “فتحى رضوان” فى الحفل خطابا بسيطا بليغا قدم فيه أحمد حلمى وعبد الله النديم كمثل أعلى لحملة الأقلام الحرة وأصحاب المبادئ السامية الجريئة حتى أننا ــ كصحفيين ــ شعرنا أن رقابنا قد استطالت زهوا بانتسابنا إلى المهنة التي كان ينتسب إليها النديم وأحمد حلمى.
وأثناء هذا الاحتفال قال نقيب الصحفيين أحمد قاسم جودة: “لا يمكن معرفة تاريخ الجهاد ضد الاحتلال البريطانى منذ وقعت كارثة الاحتلال فى 15 سبتمبر 1882 إلا إذا عرف عبد الله النديم وأحمد حلمى، أما عن أحمد حلمى فقال: هو من مواليد حي الحسين عام 1875، عمل كاتبا فى مجلة اللواء مع الزعيم مصطفى كامل، وعبر فى مقاله الشهير “يا دافع البلاء” عن حادثة دنشواي، وكان جزاؤه القبض عليه ومحاكمته وسجنه عاما بتهمة العيب في الذات الملكية بسبب هجومه على الخديو عباس حلمى الثانى، وأصدر جريدة القطر المصرى وأغلقتها قوات الاحتلال، ليصبح أول سجين رأي سياسي تهمته العيب فى الذات الملكية، وقد ورث عنه الجرأة والشجاعة فى الرأي حفيده الشاعر الفنان صلاح جاهين.
وعن نفسي (وأنا لست صحفيا) ولكن عملي يقتضي التقرب أكثر لعالم الصحافة والتغيير الاجتماعي فأقول: “هل يأتي يوماً الذي يتصدى فيه أحد صحفيي زماننا هذا لكي يقدم لنا عمل روائي يتناول فيه سيرة هذا الصحفي الشجاع، والذي أنجب لنا من أنجب شاعرنا وعمنا صلاح جاهين، هل يستطيع “بهاء صلاح جاهين” أن يقدم لنا عمل يمكن أن يتحول إلى فيلم سينمائي عن قصة حياة جده الصحفي أحمد حلمي، وأن أطمع أكثر لأن يتصدى لتقديم هذا الدور “الممثل أحمد حلمي”.
وقد أبالغ أكثر بأن يقام تمثال ضخم لهذه الصحفي في ميدانه لكي يتعرف عليه المارة والمسافرون، ونعيد لمصر سردية أبطالها في المجالات المختلفة، وليس فقط المشخصاتية والمغنواتية.
وربما أتطاول أكثر وأطالب نقابة الصحفيين بتنظيم جائزة بإسمه للمقال والتحقيق السياسي في مصر والشرق الأوسط، وأن تستلهم من شجاعته بأن لا تخشى غازلي الخيوط الحريرية التي تحيط بأصحاب القرار في مصر خوفاً وطمعاً.
واقتراحي هذا نتيجة لبحثي في مسابقة جوائز الصحافة المصرية (الجوائز الخاصة) ولدهشتي فلم أجد بين تلك الجوائز جائزة في المقال والتحقيق السياسي، وأتساءل هل تحجب هذه الجائزة لدواعي أمنية؟
أحمد حلمي الصحفي الجرئ يستحق أن تقام جائزة بإسمه.
طالع المزيد: شبراوى خاطر يكتب: دور العلاقات العامة في التعامل مع قضايا الأجيال الجديدة





