«خط تليفون.. جريمة باسمك؟».. سعيد صلاح يكشف مخاطر شرائح المحمول المجهولة
.. من «التارجت» إلى أحكام السجن
كتب: على طه
فتح الكاتب الصحفي سعيد صلاح، مدير تحرير مجلة «أكتوبر»، ملفًا شائكًا يتعلق بشرائح وخطوط الهاتف المحمول المسجلة بأسماء مواطنين دون علمهم، وما قد يترتب على ذلك من تبعات قانونية خطيرة، وذلك خلال حلقة جديدة من برنامج «القضية» الذي يعده ويقدمه عبر بوابة «دار المعارف».
وتحت عنوان «خط على اسمك.. جريمة باسمك؟ من التارجت إلى المؤبد.. من يحمي المواطن من خط محمول لا يعرف عنه شيئًا؟»، ناقش صلاح تداعيات استخدام خطوط محمول مسجلة بأسماء أشخاص لا علاقة لهم بها، محذرًا من أن الأمر قد يتجاوز مجرد مشكلة إدارية ليصل، في بعض الحالات، إلى إدخال المواطن في دائرة الاشتباه والتحقيق والمحاكمة، إذا ارتُكبت جريمة باستخدام خط مسجل باسمه.
من خط مجهول إلى اتهام بجريمة
بدأ صلاح الحلقة بطرح سيناريو صادم: أن يستيقظ شخص ليجد نفسه متهمًا في جريمة لا يعرف عنها شيئًا، أو أن يكتشف ورود اسمه في محضر شرطة، أو استدعاءه أمام النيابة، أو حتى صدور حكم قضائي ضده، ليس بسبب شيك دون رصيد أو إيصال أمانة أو حادث سيارة، وإنما بسبب خط هاتف محمول مسجل باسمه دون علمه.
وأوضح أن خط الهاتف لا يمثل مجرد شريحة تستخدم لإجراء المكالمات، وإنما يرتبط ببيانات شخصية للمواطن، من بينها بيانات الهوية والرقم القومي، وهي معلومات تعتمد عليها الجهات الرسمية والقضائية عند التعامل مع الشخص.
ومن هنا، يطرح البرنامج سؤالًا محوريًا: ماذا يفعل المواطن إذا اكتشف أن شخصًا آخر ارتكب جريمة باستخدام خط محمول مسجل باسمه؟
وهل يكفي أن يؤكد المواطن أن الخط ليس ملكه وأنه لا يعرف عنه شيئًا؟ أم ينبغي عليه أن يبحث عن كيفية استخراج الخط، ومن استخدمه، وأين جرى استخدامه، وما الاتصالات أو التحركات التي تمت من خلاله، وفي أي توقيتات؟
وأكد سعيد صلاح أن الحلقة لا تستهدف مهاجمة شركات الاتصالات أو قطاع الاتصالات، وإنما تناقش قضية أوسع تتعلق بحماية البيانات الشخصية والهوية القانونية للمواطنين، وضمان عدم استخدام بياناتهم أو تداولها دون علمهم أو موافقتهم.
قضية عمر عمارة.. نموذجا
واستعرض البرنامج قضية الطالب الشرقاوي عمر عمارة، طالب الحاسبات والمعلومات، باعتبارها إحدى القضايا التي أعادت فتح ملف الخطوط المسجلة بأسماء أصحابها دون علمهم.
وبحسب ما عرضه سعيد صلاح في الحلقة، فوجئ عمر بوجود اسمه ضمن قضية مخدرات، بل وصدر ضده حكم غيابي بالسجن المؤبد، أي 25 عامًا، رغم تأكيده أنه لا يعرف شيئًا عن القضية أو عن الخط الذي ظهر اسمه مرتبطًا بها.
وتعود تفاصيل القضية، وفق رواية البرنامج، إلى معلومات وصلت إلى الإدارة العامة لمكافحة المخدرات بشأن شحنة كبيرة من المخدرات يجري تهريبها داخل سيارة نقل، على أن تكون السيارة موجودة في توقيت محدد بمنطقة نفق الشهيد أحمد حامد.
وتحركت الأجهزة الأمنية، وتمكنت من ضبط السيارة والمتهمين، ثم اتخذت القضية مسارها القانوني أمام النيابة والمحكمة.
وخلال فحص القضية، ظهرت أرقام هواتف محمولة مرتبطة بالمتهمين أو بالأشخاص المتعاملين مع شحنة المخدرات، وكان من بين هذه الأرقام رقم مسجل باسم الطالب عمر عمارة.
وبحسب ما ذكره البرنامج، صدر حكم غيابي بحق عمر ضمن أحكام القضية، ليكون نصيبه حكمًا بالسجن المؤبد لمدة 25 عامًا، رغم عدم معرفته بالقضية أو استخدامه للخط محل الواقعة، وفق روايته والإجراءات القانونية التي اتخذها دفاعه.
وعقب علمه بالحكم، لجأ عمر إلى محامٍ، الذي اتخذ الإجراءات القانونية اللازمة للمعارضة على الحكم الغيابي والطعن عليه.
وأشار صلاح إلى أن دفاع عمر حاول إثبات أن مجرد تسجيل الخط باسمه لا يعني بالضرورة أنه المستخدم الفعلي له، وطلب الحصول على سجلات الاتصالات والتحركات المرتبطة بالخط خلال الفترات الزمنية محل التحقيق، بما يسمح بمقارنة أماكن وتوقيتات استخدام الخط مع وجود عمر وتحركاته الفعلية.
وأكد أن القضية، وفق ما ورد في الحلقة، لا تزال متداولة ولم تصل إلى نهايتها النهائية.
ملكية الخط على الورق والاستخدام الفعلي
وتوقف البرنامج أمام نقطة قانونية مهمة، وهي الفرق بين ملكية الخط المسجلة في الأوراق وبين المستخدم الفعلي له.
وأوضح سعيد صلاح أن تسجيل الخط باسم شخص يظل عنصرًا شديد الخطورة عندما يدخل في إجراءات قانونية، لأن ظهور الرقم في واقعة جنائية قد يدفع صاحبه المسجل إلى مواجهة تحقيقات وإجراءات قضائية، حتى لو كان يؤكد أنه لم يستخدم الخط ولم يكن يعلم بوجوده.
كيف تصل الخطوط إلى أسماء المواطنين؟
طرح البرنامج تساؤلًا آخر حول الكيفية التي يمكن من خلالها تسجيل خطوط محمول بأسماء أشخاص دون علمهم.
وأشار سعيد صلاح إلى تعدد منافذ بيع خدمات الاتصالات، من فروع الشركات إلى الموزعين ونقاط البيع، موضحًا أن شركات المحمول تعمل وفق أهداف بيعية تعرف باسم «التارجت».
وبحسب ما طرحه البرنامج، فإن الضغط لتحقيق أهداف بيع مرتفعة قد يؤدي في بعض الحالات إلى تجاوز قواعد أو إجراءات التسجيل والتأمين، وهو ما يستدعي، بحسب رؤية مقدم البرنامج، تشديد الرقابة على عمليات بيع وتسجيل الخطوط.
وفي المقابل، لفت إلى أن المسؤولية المحتملة لا تقع بالضرورة على شركات الاتصالات وحدها، إذ قد يقوم المواطن نفسه بتسليم بطاقة هويته لشخص آخر لشراء خط باسمه، سواء لصديق أو قريب، ثم ينتقل الخط بعد ذلك من شخص إلى آخر، إلى أن يصل في النهاية إلى شخص خارج دائرة معارف صاحبه الأصلي.
وحذر من أن الخط، بعد انتقاله بين عدة أشخاص، قد يستخدم في ارتكاب مخالفة أو جريمة، بينما تظل بيانات صاحبه الأول مرتبطة به في سجلات الشركة.
وطالب بزيادة الرقابة على الموظفين المسؤولين عن التسجيل والبيع، وكذلك على الموزعين ونقاط البيع، بما يضمن أكبر قدر ممكن من حماية العملاء.
كيف تعرف الخطوط المسجلة باسمك؟
قدم البرنامج للمواطنين خطوة عملية للتأكد من عدد خطوط المحمول المسجلة بأسمائهم.
وأوضح سعيد صلاح أن المواطن يستطيع، من خلال تطبيق الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، إدخال رقمه القومي والاستعلام عن أرقام الهاتف المسجلة باسمه، للتأكد من أن جميعها تخصه بالفعل.
وفي حال اكتشاف أرقام لا يعرفها المواطن، دعا البرنامج إلى اتخاذ إجراءات فورية بشأنها، تشمل طلب إيقاف أو إلغاء التعامل عليها، وتقديم طلب لإثبات عدم ملكيته أو علاقته بهذه الأرقام، مع توثيق موقفه من أي تعاملات تمت من خلالها خلال الفترة التي كانت فيها مسجلة باسمه.
تحرير محضر لإثبات الحالة
وشدد سعيد صلاح على أهمية اتخاذ إجراء قانوني بمجرد اكتشاف وجود خطوط مسجلة باسم المواطن دون علمه.
وأوضح أن من بين الإجراءات التي يمكن اللجوء إليها تحرير محضر في الشرطة لإثبات الحالة، وتوثيق أن المواطن اكتشف وجود أرقام مسجلة باسمه وأنه لا يعرف عنها شيئًا، بهدف حفظ حقوقه وتوفير مستند رسمي يمكن الرجوع إليه إذا ترتبت على هذه الخطوط أي مشكلات مستقبلية.
كما أشار إلى إمكانية اتخاذ إجراءات قضائية ضد الجهة المسؤولة في الحالات التي تتوافر فيها أسباب قانونية لذلك.
أحكام قضائية وتعويضات للمواطنين
واستعرض البرنامج نماذج لقضايا قال سعيد صلاح إنها وصلت إلى القضاء، من بينها القضية رقم 4225 لسنة 14 قضائية أمام المحكمة الاقتصادية، والتي أشار إلى أنها انتهت بحكم لصالح مواطن فوجئ بوجود خط هاتف مسجل باسمه دون علمه، وتم استخدامه خلال فترة لم يكن يعلم خلالها بهذه التعاملات.
وبحسب ما ورد في الحلقة، قضت المحكمة بتعويض المواطن.
كما أشار سعيد صلاح إلى قضية أخرى تخص محاميًا اكتشف وجود مشكلة قانونية مرتبطة بخط هاتف مسجل باسمه، بعدما صدر حكم في قضية سرقة هاتف، بينما أكد المحامي عدم علاقته بالواقعة.
وبحسب رواية البرنامج، اتخذ المحامي الإجراءات القانونية اللازمة لإثبات أن الخط المستخدم في الهاتف المسروق لا علاقة له به، وحصل على حكم لصالحه.
ثلاثة قوانين لحماية البيانات والاتصالات
وانتقل البرنامج إلى الإطار القانوني المتعلق بحماية بيانات المواطنين، مشيرًا إلى ثلاثة قوانين رئيسية.
أولها قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003، الذي يتضمن قواعد تتعلق بسرية الاتصالات والبيانات، وعقوبات على إفشاء معلومات خاصة أو إساءة استخدامها في غير الأحوال التي يجيزها القانون.
كما أشار البرنامج إلى المادة 81 وما يرتبط بتداول أو بيع خطوط الهواتف مجهولة المصدر، والعقوبات المقررة بشأنها.
أما القانون الثاني فهو قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020، الذي ينظم جمع ومعالجة البيانات الشخصية، ويضع ضوابط للتعامل معها، بما في ذلك الحصول على الموافقات اللازمة في الحالات التي يحددها القانون، إلى جانب عقوبات مالية وجنائية على بعض المخالفات.
وأشار البرنامج كذلك إلى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وما يتضمنه من أحكام تتعلق بالاستخدام غير المشروع للبيانات الشخصية، وإنشاء الحسابات أو الخدمات باستخدام بيانات الغير دون حق، فضلًا عن العقوبات التي يمكن أن تطبق في الحالات التي يحددها القانون.
وأكد سعيد صلاح أن هذه التشريعات تمثل إطارًا قانونيًا لحماية البيانات الشخصية ومواجهة إساءة استخدامها أو تسريبها أو التعامل معها بصورة غير مشروعة.
من يراقب شركات المحمول؟
وفي الجزء الذي وصفه مقدم البرنامج بأنه من أهم محاور الحلقة، طرح سؤالًا مباشرًا حول الرقابة على شركات المحمول، ومن يتحمل مسؤولية متابعة عمليات التسجيل والبيع وحماية بيانات العملاء.
وأوضح أن علاقة المواطن بشركة المحمول لا تقتصر على تسجيل البيانات أو امتلاك خط الهاتف، وإنما تشمل مجموعة واسعة من الخدمات والمعاملات اليومية، من المكالمات والفواتير إلى خدمات الإنترنت وباقات الشحن وغيرها.
وتطرق البرنامج كذلك إلى شكاوى أخرى مرتبطة بخدمات الاتصالات، مثل ضعف الشبكات، وارتفاع أسعار كروت أو وسائل الشحن، وانتهاء بعض الباقات قبل الموعد أو قبل استهلاكها بالشكل المتوقع، معتبرًا أن هذه المشكلات تحتاج بدورها إلى حلول ورقابة فعالة.
القضية ليست «خطًا» فقط
وفي ختام الجزء المطروح من الحلقة، بدا أن الرسالة الأساسية لبرنامج «القضية» تتجاوز مشكلة الخطوط المسجلة بأسماء المواطنين إلى سؤال أكبر يتعلق بأمن البيانات الشخصية ومسؤولية شركات الاتصالات والموزعين ونقاط البيع، ودور الجهات الرقابية والقانونية في حماية المواطن.
فالمشكلة، كما طرحها سعيد صلاح، لا تبدأ بالضرورة عندما يرتكب شخص جريمة باستخدام خط مسجل باسم مواطن آخر، وإنما قد تبدأ في اللحظة التي تُستخدم فيها بيانات المواطن لإنشاء الخط دون علمه، ثم ينتقل الخط بين مستخدمين مختلفين، بينما تظل هوية صاحبه الأصلي مرتبطة به في السجلات.
ومن هنا، تبرز أهمية أن يعرف كل مواطن عدد خطوط المحمول المسجلة باسمه، وأن يبادر إلى اتخاذ الإجراءات الرسمية اللازمة تجاه أي رقم لا يعرفه، بدل انتظار وقوع مشكلة قانونية قد تجعل إثبات عدم علاقته بالخط أكثر صعوبة.
شاهد
…………………………………………………………………………………………………………………
المصدر: برنامج «القضية» إعداد وتقديم الكاتب الصحفي سعيد صلاح، مدير تحرير مجلة «أكتوبر»، عبر بوابة «دار المعارف».





