شبراوى خاطر يكتب: تخيّل المستقبل… نظرة تيليسكوبية
موقع بيان الإخبارى
ماضي الناس هو حاضرهم، جملة سمعتها في فيلم اميركي. وفي رأيي ربما يشكل مستقبلهم أيضاً.
أثناء تجهيزنا لتنظيم منتدى “دائرة العلاقات العامة” الثاني عن حوار الأجيال، وعلى وجه الخصوص مناقشة قضايا جيل زد الذي أصبح يشكل ما يقرب من أربعين مليون من شباب الجنسين، ويعد قيامنا بالإعلان عن فرصة لتدريب طلاب الإعلام والعلاقات العامة من كليات الإعلام من جامعات مختلفة، فوجئنا برغبة طلاب آخرون للإنضمام للتدريب من كليات أخري مثل التربية الرياضية، وإدارة الأعمال وحتى العلاج الطبيعي. والأكثر دهشة أن مل يقرب من تسعين بالمائة منهم كانو من الفتيات.
لاحظنا بأن معظمهم لديهم شغف عظيم لأن يبحثوا لأنفسهم عن معنى وغاية، يقودهم دافع قوي للتميز والإبداع ودافع خفي بشكل واضح لأن ينخرطوا في مهمة ورسالة ليكتشفوا فيها انفسهم. مما يؤكد الأسم الذي أطلقه عليهم الكاتب الأمريكي” آرون غوبتا” هؤلاء هم “جيل الرسالة”،
وهؤلاء هم الذين نشاوا في حضن الإنترنت، ونراهم -نحن من الأجيال السابقة- بأنهم يختبئون خلف شاشة براقة في أيديهم، يرون من خلالها العالم، يتواصلون بها مع عالم اختاروه لانفسهم، وساعدتهم لوغاريتمات التكنولوجيا لكي يؤسسوا او ينضموا إلى احدى القبائل الرقمية، التي لا تحدها حدود للمكان أو الزمان. وعلى الرغم من استغراقهم واحتياسهم داخل تلك الشاشات الوامضة، يعيشون داخل عالم افتراضي ساهم في تأسيسه وتشكيله موجة الذكاء الاصطناعي، استمرأوا الإندساس داخل أجهزتهم الذكية والتي توحي اليهم بافكار وآراء ومعتقدات لا تناسبهم، ولكن أيضاً يدورون في دوامات يسيطر عليها ويديرها مؤسسات تحمل أجندات خفية إذا لم نُحسن النية، ولكن وجدناهم حتى الآن يبحثون عن مخرج من المتاهة، ويتطلعون لأن يتشبثوا بغاية وهدف ومعنى لحياتهم، تجدهم رغم عنادهم، يبحثون عن من يفهمهم ويدعمهم ويوفر لهم فرصة يؤكدون فيها مهاراتهم ليكونوا جزءاً من هدف كبير يحققون فيه مكانتهم في المجتمع.
وهذه التجربة ذكرتني بمقولة أوسكار وايلد: “معظم الناس ليسوا إلا أشخاصًا آخرين، أفكارهم تمثل آراء غيرهم، حياتهم تقليد لغيرهم، شغفهم مجرد اقتباس من غيرهم”
وإذا كانت هذه المقولة، ربما أعتقد أنها صحيحة، ولكن أحياناً أرى مثلما يرى بعض المفكرين والخبراء أنها صحيحة ولكن هناك آراء أخرى ترى أنه لا توجد وجهة نظر صحيحة مطلقًا.
فهناك وجهة نظر تقليدية أو شائعة. وهناك وجهة نظر شخصية. أي هناك وجهة نظر واسعة يتبناها الأغلبية. وهناك وجهة نظر ضيقة يتبناها قلة قليلة. لكن أثبتت تجارب الحياة أنه لا توجد وجهة نظر صحيحة مطلقًا.
فأنت نفسك قد تكون على صواب. وقد تكون على خطأ. الأمر يعتمد فقط على الزاوية التي تنظر منها.
وإذا بنينا وجهات نظرنا على أصحاب وجهات النظر الضيقة أو الشخصية. فهل هؤلاء الذين ينظرون من منظور ماضيهم وظروف بيئتهم عندما بلغوا مرحلة الإدراك الواعي لما يدور حولهم في فترة نشأتهم الأولى والتي شكلت جزء كبير من آرائهم وسلوكياتهم ومعتقداتهم، ثم أصبحوا بلا وعي يسقطونها على حاضرهم.
لو نظرنا إلى الأمر من هذه الزاوية. قد نكون على صواب، ولكن بيئة الأجيال الشابة والصغيرة تختلف كثيراً عن الظروف التي عشناها وشكلت مفاهيمنا ومعتقداتنا.
وكما أشار د. عبد المحسن صال1928 – 1986 في إحدى مقالاته “بأن الكائنات ربيبة بيئتها، لأن عوامل البيئة ذاتها تؤثر فيها. لهذا، قل لي ما هي البيئة المتاحة، أقل لك ما هي صفات الكائنات التي تعيش فيها.”
وبينما نحن نجدّ ونبذل الجهد لدراسة كل ما كتب ونُشر من دراسات ومقالات عن الأجيال الجديدة وخاصة جيل زد وجدنا العديد من الآراء التي أثارها الجيل القديم عن جيل زد وجيل الألفية، وقاموا بكل حماس بتشخيص الحالة التي عليها الأجيال الجديدة، بعضها أخذ منهج الوصف، والبعض الآخر تحدث بهيئة العارف بالأمور، وكانت آراءه تأخذ شكل الاتهامات للأجيال الجديدة وعبرت عن مدى تفاهتهم وقلة وعيهم وافتقادهم للهوية الواضحة.
فقد أتخذنا الإتجاه المعاكس أخذاً بالمفهوم القائل: إذا وجدت الأغلبية تسير في إتجاه محدد. توقف، وأعكس إتجاهك. وهذا ما فعلناه، وقررنا نجرب بشكل عملي، لكي نستكشف هل بالفعل هذا الجيل يستحق مثل هذه الاتهامات.
وجدنا.. حتى الآن، أن هذا الجيل – أو على الأقل – العينة التي اخترناها، أو بمعنى آخر، العينة التي أختارت أن تدخل التجربة وتطوع معنا عن قصد ونية، أرادوا أن يثبتوا أنهم ليسوا على الصورة التى نراها بهم.
وأدركنا بقوة أننا نريد ونصرّ في عنادنا – نحن الكبار – أن هؤلاء الذين نراهم أو نتصورهم بأنهم ليس لديهم وجهة نظر خاصة بهم وليس لديهم رؤية واضحة لمستقبلهم، وأنهم تائهون في المتاهة التي خلقناها لهم وأورثناها لهم، . ونواصل وصفهم بالعناد والتمرد والرفض لما نحن عليه، وإننا نعتقد بأنه لا حيلة أمامهم إلا أن يتبنوا وان يقتبسوا وجهات نظرنا نحن العارفين بالأمور، الناظرين في المرآة الخلفية والحنين إلى الماضي. وللدهشة أكتشفنا أنهم أيضا ملبوسين بالنوستولجيا لزمن وعيهم الأولي. ربما خشية من النظر للمستقبل المبهم الغامض، خاصة وأننا لا نسمح لهم بالتحكم في حاضرهم، ولا تدبر أمر مستقبلهم.
خلال هذه التجربة أدركنا أيضاً بأن هؤلاء الكائنات المنتشرة حولنا لديهم الطاقة والوقت والحماس والموهبة، وكل ذلك لا معنى له إلا بوحود غاية ومعنى واضح وجلي لدورهم فى الحياة. فهؤلاء غالبًا يبدون أشخاصًا صعبين، يكاد يكون من المستحيل العمل معهم لأنك لا تستطيع أن تُملي عليهم ما يفعلونه. وقد يرون أن المجتمع على خطأ، وفي حالة شك مستمر ونقص لمستوى الثقة في الآخرين ولا يدرون هل هم على صواب أو خطأ؟ ولا حيلة أمامهم إلا أن يجربوا وتعلموا بالطريقة الصعبة من الصواب والخطأ لأننا ببساطة لا نرشدهم بل نحاول أن ندفعم لطريقتنا التي وجدنا عليها آبائنا.
فما العمل وكيف نتخلص من هذه الورطة؟
إذا أردنا جيل يستطيع التكيف مع تحديات الوجود، ولديه الوعي بقضايا زمنه ومجتمعه، يستطيع أن يحفظ هويته وتراثه وأن يلعب دوره في تشكيل مستقبله من خلال خدمة مجتمعه.
فإلى هنا اسمحوا لي بأن أستعين بالعالم الشهير ألبرت إنشتاين الذي قال: “الخيال أهم من المعرفة” وأعتقد أنه هو أيضاً من قال: “كل شئ خلق مرتين أولا في العقل وبعد ذلك في الواقع”.
ولنجرب خيالنا الآن، وأن نتخيل كيف يكون شكل العالم في عام 2035 أو 2045 أو 255، ولا نتمادى كثيراً فتزداد الصعوبة.
ونبدأ بتناول التليسكوب للنظر إلى فرص المستقبل بديلاً عن الميكروسكوب للتدقيق في عيوب الحاضر فالطفل المولود العام الماضي وفي مرحلة الرضاعة وبالتحديد “جيل بيتا”، سيكون عمره عشر سنوات عام 2025، وعشرون سنة 2045، وثلاثون سنة 2055على التوالي.
ولابد أن أطلب منك الاستعانة بخيالك بعض الشئ.
الطالع يقول، سيشب مواليد اليوم في عالم يضطرب بالمشكلات البيئية والصراعات السياسية والاقتصادية والفكرية، فكيف ستكون الحياة في ظل عدم الاستقرار المؤسسي والسياسي والثقافي والاجتماعي والبيئي، وكيف سيكون شكل تواصلنا مع بعضنا العض، أو لنقل “تواصل أجيال المستقبل مع بعض”، ولا ندري أين سيصل بنا التسارع التكنولوجي.. ومع الوضع في الاعتبار مايسمي “بقانون مور” حيث ينص على أن التطور التكنولوجي بصفة عامة يتضاعف تقريبًا كل عامين أو أقل، مع زيادة طفيفة في التكلفة. ومما يؤكد بأن هذا الجيل سيشهد تحولات عظمى ستغير شكل الحياة التي نعرفها الآن.
إلى هذا الحد بدون الإطالة، ما الميراث الذي سيتركه الجيل الحالي الحاكم على الأمور للأجيال القادمة؟، وهنا سؤال يطرح نفسه، هل لا يزال لدينا الوقت لصناعة إرث جديد بالإضافة إلى لرعاية الأرث القديم الذي سنتركه لهم؟ وهل سنهتم لتحقيق هذا الهدف.. هل يجيب أن نضع هدفاً واحداً نلتف جميعنا حوله كقادة ومواطنون لتحقيق ذلك، فهذا الأمر لا أعتبره ترفاً تحت وطأة الظروف الاقتصادية والسياسية والجيوبولوتيكية والصراع العالمي بأسلحته المادية والعسكرية والثقافية والتكنولوجية.
إنها حتماً ضرورة، وبالقطع مسؤوليتنا مشتركة للإجابة عن هذه التساؤلات، والإجابة تأتي على شكل سؤال أيضاً، سؤال يحدد استراتيجية واتجاه وخطة عملية وهو “كيف مع الإرث الذي نبنيه ونحافظ عليه أن نبني جيل يخدم الأرث وينتفع به ويحفظه للأجيال التي تليه.”
كيف نبني الإنسان المواطن الواعي وليس الإنسان العامل الخادم. كيف نبني ونعلم الجيل الذي يبني الجيل الذي يليه ليحافظ على الإرث البشري والوطني..
إننا أمام مفهوم جديد للأجيال، لا تُعرف بالعمر فقط، بل تُعرف بمواقفها وثقافتها وقيمها ووعيها ومهاراتها. فكيف ندبر الأمر ونستعد ونبدأ الفعل بعيداً عن الكلام والتظاهر.
فالوقت لا ينتظر، شئنا أم أبينا الساعة الرملية لا تتوقف والمستقبل بدأ من زمن بعيد، ولقد بدأنا بالفعل وفي عصر الجيل الجديد بالتحرك الحثيث بعيداً عن التسلاسلات الرأسية الهرمية في العلاقات الاجتماعية والوظيفية، والتوجه إلى عالم من الشبكات الأفقية، وبدأت سلطات الوالد والمعلم والمدير بالتقلص، ولاحت في الأفق علامات انهيار المكانة السلطوية التقليدية. قوة جديدة منظورة في الأفق قد تصل حجمها إلى ثلاثة أرباع السكان تنتظر أن نفك قيودها ونمكنها ونشركها في كل ما سنتركه لهم، سواء السعادة أو المعاناة. فما نفعله اليوم لا يخص سواهم.
باختصار ينبغي البدأ في النظر للشباب كمواطنين المستقبل يخصهم وحدهم والحلم حلمهم وقوتهم وإعدادهم بالتأهيل المناسب للمستقبل، بالتكوين العقلي والنفسي والمعرفي والجسدي المناسب ، وكما ان كل وظيفة تتطلب شخص ذو مؤهلات وإمكانات ومواصفات مناسبة للوظيفة، فإننا ونحن نبحث في مشروع “بناء الإنسان المصري” فمن الحتمي أن نبحث عن المواصفات التي يمكن للبيئة الخاصة بنا ان توفرها لتشكيل وتكوين قوة وأمانة هذا الإنسان.
فالبداية لبناء هذا الإنسان هو إعداد البيئة الصحية والنفسية والثقافية التي يستطيع ان ينمو فيها وليس بمنظورنا الحالي ولكن من خلال استشراف المستقبل وعقول علمائنا
وفي النهاية وصيتي للشباب هي بعض من كلمات الشاعرة الرقيقة كوثر مصطفى في أغنية محمد منير
على صوتك بالغنا لسه الأغانى ممكنه
ولسه ياما.. ياما ياما ياما فى عمرنا
ولو في يوم راح تنكسر
لازم تقوم واقف
كما النخل باصص للسما
ولا انهزام ولا انكسار ولا خوف
ولا حلم نابت ف الخلا
ترقص ارقص ينشبك حلمك بحلمى
فما هي وجهة نظرك؟
طالع أيضا: شبراوى خاطر يكتب: تشابه الأسماء في العالم الرقمي.. أحمد حلمي الصحفي





