عاطف عبد الغنى يكتب: اضحك مع شحرور.. “بيضة الديك” وصاحبها

موقع بيان الإخبارى

بؤس أمثال هؤلاء المدعين يقود من يتابعهم عن جدٍّ وفهم -لا محالة- إلى الضحك؛ ضحكٍ صادرٍ عن مفارقة: الجاهل عندما يتصور جهله علماً، ويتصدى لما يكشف جهله فيكشف عورة فهمه!

هل ما سبق هو ما دعا الأستاذ يوسف الصيداوي لأن يؤلف كتابه “بيضة الديك”، ليكشف فيه جهالات المعاني التي سقط فيها المدعو محمد شحرور في بحثه عن معانٍ مستحدثة لكلام الله تعالى وكتابه المقدس؟ ويلوي عنق الألفاظ لتخدم تأويلاته التي تقود إلى تفريغ الشريعة، وتغيير أحكام الله، وتسييل الدين الإسلامي أو تفكيكه، في الطريق إلى “اختراع” دين أمريكاني يناسب الغرب، على غرار ما حدث مع دين الكنيسة الغربية، وعزو التقدم العلمي الغربي إلى هزيمة المقدس لصالح الدنيوي.

فهل يعادي الإسلامُ الدنيا، أو التقدمَ العلمي، أو السعادةَ في هذه الدار التي نعيش فيها؟.. إذا كانت أفعال ونهج داعش والخوارج -من الجماعات والحركات التي نسبها الجهلة للإسلام وقرنوا اسمه بها- تفعل ذلك، فإن الشيوعيين، والليبراليين، والمتغربين، والملاحدة والكفار يدّعون ذلك؛ ولا الأولون حجة على الإسلام، ولا الآخيرون يعرفون الإسلام أو يريدون به خيراً.. وبما أنهم يجهلونه، ففي الآتي بعضٌ من أمثلة لجهلهم “الداعي للسخرية”:

في عام 1990م أصدر السورى محمد شحرور (وهو مهندس مدني يعتنق الفكر اليساري ولا أقول الشيوعي) كتابه الأول الذي حمل عنوان: «الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة»، وذكر فيه أن له صديقاً أطلعه على أسرار اللسان العربي، وأن اطلاع المؤلف على تلك الأسرار قد مكّنه من أن يؤول القرآن تأويلاً مستحدثاً يصلح لكل زمان ومكان!

ولم يمضِ وقت طويل حتى قيّض الله عالماً لغوياً وأديباً ومعلماً سورياً – أيضا – يدعى يوسف الصيداوي (1930 – 2003 م)، ليفضح جهل مواطنه شحرور وضحالته في مؤلَّف أطلق عليه -من باب السخرية والتندر- «بيضة الديك».

جاء «بيضة الديك» ليفكك التقعيد اللغوي لشحرور، مبيناً أن الأخير اخترع في كتابه «الكتاب والقرآن» قواعد لا أصل لها في لسان العرب، وعنون الصيداوي كتابه بـ”بيضة الديك” تهكماً؛ إذ اقتبس مثلاً شعبياً مشهوراً في الشام عن الشيء الذي يحدث “مرة واحدة ولا يتكرر” فيُطلق عليه “بيضة الديك”، وشحرور لم يصب في لغته إلا في أول ثلاث كلمات في كتابه الذي ألفه حين قال: “الكتاب من كَتَبَ”، ثم بنى بعد ذلك ركاماً من الأغاليط اللغوية!

وباختصار، فإن ما فعله عالم اللغة هو أنه في الفصل الأول من كتابه، اختار عشر صفحات من كتاب شحرور، وكشف ما بها من أخطاء وأوهام وزيف من الناحية اللغوية فحسب، وخرج بنتيجة مفادها أنه ليس في هذه الصفحات العشر جملة واحدة لم يخطئ فيها (باستثناء أول جملة فقط)، وهذا لا يعني أنه لم يكشف الطوام والفضائح التي أتى بها شحرور.. بل مارس الصيداوي على شحرور ما يمكن وصفه بـ «الإذلال المعرفي».

وفي الفصلين التاليين ناقش الصيداوي فى كتابه “بيضة الديك” موضوعين تطرق لهما الكاتب (وغالب تناوله كان من جانب لغوي بحت)، والموضوعان هما: دعوى شحرور بشأن الحجاب، والثانى نظريته في الجدل وأن الكلمة استُمدت من الماركسية دون أن يشير شحرور إلى ذلك، محاولاً اللعب بالمصطلحات القرآنية ليجعل كلمة «التسبيح» تساوى أو تعنى الجدل بمعناه الماركسي… إلخ.

وفي الفصل الأخير أورد الصيداوي -بدون تتبع وحصر- 73 خطأً لغوياً وقع فيه شحرور، مصححاً له وكاشفاً عن وجه الخطأ فيه (منتهى الإذلال المعرفي)، كل هذا ولم يتدخل الصيداوي في أي رأي ديني عرض له شحرور، وإنما اكتفى بترديد مقولة عبد المطلب بن هاشم لأبرهة الحبشي عندما جاء يغزو الكعبة: «إن للبيت رباً يحميه».

ولكنه -والحق يُقال- سَلَق الرجل بألسنة حداد، وكشف زيغه، وفضح أباطيله وزعمه في أنه يقرأ القرآن قراءة معاصرة يعتمد فيها على نظريات لسانية حديثة، فيحرف النص ويلوي عنق اللغة كما يحلو له أو كما يوحي إليه أولياؤه، ويظن أنه إذا قال: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾، ردّد الخلق جميعاً خلفه: «آمون»!

ولن نشق عليكم بتحليل منهج الصيداوي في الرد لغوياً (وكيف استخدم المعاجم القديمة لرد هذه الشبهات)، ولكن سوف نتطرق إلى عدد من الأمثلة التى تعرض لها الصيداوى مباشرة، وبيانها كالتالي:

أولاً: نفي الترادف والتفريق بين “الكتاب” و”القرآن”.

  • زعم شحرور: منع الترادف تماماً في اللغة، وبناءً عليه ادّعى أن “الكتاب” شيء و”القرآن” شيء آخر مباين له، وأن “الذكر” و”الفرقان” كتب مختلفة جُمعت بين دفتي المصحف.

  • رد الصيداوي: بيّن الرجل في رده على ما سبق أن إنكار الترادف بهذا الشكل المتعسف يصطدم بعبقرية اللسان العربي، وضرب مثالاً بأسماء “السيف” (كالمهند، والبتار، والصمصامة) وأسماء “الذئب” عند العرب؛ فلها صفات مختلفة لكنها تدل في النهاية على ذات المسمى وعينه. وبالتالي، فإن «الكتاب والقرآن والفرقان والذكر» هي أسماء وأوصاف دلالية لجوهر وحيد وهو كلام الله الموحى لرسوله، والتفريق التفكيكي بينها يُعد جهلاً بطبيعة المترادفات والنعوت في العربية.

ثانياً: آية الكلالة والخلط في الإعراب والدلالة

  • زعم شحرور: تناول الآية الكريمة: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ [النساء: 12]، وحاول الخروج بتفسير معاصر لمفهوم الكلالة عبر التلاعب بالمواقع الإعرابية للكلمات.

  • رد الصيداوي: ركّز على إبطال التأويل ببيان الأوجه الإعرابية المستقرة لـ (كلالة)، موضحاً أنها إما أن تُعرب حالاً منصوبة (إذا أُريد بها الميت)، أو مفعولاً لأجله (إذا أُريد بها القرابة)، أو صفة لمصدر محذوف، مبيناً أن لوي عنق الإعراب وتأليف قواعد صرفية ونحوية جديدة للآية يُفسد المعنى التشريعي بأكمله ويخرج باللفظ عن دلالته الصريحة التي فهمها العرب وقت نزول الوحي.

ثالثاً: التعسف في الاشتقاق والجذور اللغوية

  • اعتمد شحرور: على منهجية يفكك فيها جذور الكلمات الثلاثية بطريقة هندسية ومعاصرة ليخرج بمعانٍ تناسب أفكاره، كتعريفه الخاص لمفهوم “الإسلام” و”الإيمان”.

  • رد الصيداوي: فضح الأخير هذا المنهج ووصفه بـ “التنجيم اللغوي” والعبث الصرفي، وبيّن بالدليل القاطع من معاجم اللسان ومأثور شواهد الشعر العربي أن رد الكلمات لمعانٍ مخترعة لم تقل بها العرب، ومن ثم بناء أحكام عقائدية وتكليفية عليها، هو جهل مطبق بالسليقة اللغوية وفقه اللغة العربية الذي تواضع عليه أئمة اللسان العربى.

رابعاً: نقد لغة شحرور المعاصرة وسقطاته التركيبية

  • ساق شحرور: صياغات وتراكيب حديثة في مقدمة كتابه ظناً منه أنها تمثل البلاغة العصرية والمحاججة اللغوية الحديثة.

  • رد الصيداوي: خصص الصيداوي فصلاً لتتبع الهفوات التركيبية والنحوية في الصفحات العشر الأولى من كتاب شحرور، وأثبت بالشرح والنصوص أن من يعجز عن ضبط جملة اسمية أو فعلية سليمة خالية من اللحن العروضي أو النحوي في مقدمة كتابه، لا يُؤتمن إطلاقاً على تفكيك وإعادة صياغة إعراب ودلالات آيات القرآن الكريم.

وقيل للصيداوي: “لقد حصرت نقدك لكتاب شحرور في اللغة، أو لم تجد في الكتاب شيئاً سوى اللغة؟!” فأجاب: “بلى، ولكني رأيت رجلاً مهندساً بنى صرحاً شامخاً على بساط من اللغة.. فسحبت البساط من تحته!”.

وأخيرا.. ما كان سعي شحرور ومن لف لفه في اللجوء إلى “التعسف اللغوي” (Semantic Arbitrariness)، عبر نزع الألفاظ القرآنية من بيئتها اللغوية التي نزلت فيها (بيئة قريش والعرب الحجازيين)، أو التزوير والعبث بلسانيات اللغة وإلباسها دلالات معاصرة، إلا بهدف أن يلغي/يلغوا “قصدية النص”، ويجعل/يجعلوا القرآن رداءً مطاطياً يرتديه أي هوى سياسي أو اجتماعي معاصر، لتمرير أفكارٍ مثل: إسقاط الحجاب أو شرعنة العلاقات الحرة.

انتظرونا فلدينا المزيد.

طالع أيضا:

عاطف عبد الغنى يكتب: محمد شحرور.. (1) نكسة 67 صنعت أزمته فأسقطها على الدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى