د. ناجح إبراهيم يكتب: الرسول صلى الله عليه وسلم.. بين الاحتفاء والاقتداء

موقع بيان الإخبارى

• خيره ربه بأن يكون ملكاً رسولاً أو عبداً رسولاً فأشار إليه جبريل بإشارة الناصح المحب ” تواضع لربك” فاختار أن يكون عبداً رسولاً، وهو بفطرته وزهده وتجرده عن الدنيا كان سيختار هذا الاختيار، ولذا فإن علي الدعاة إلي الله أن ينحازوا إلي هذا الاختيار النبوي العظيم وأن يعيشوا بقلوبهم وجوارحهم بأن يكون “عبداً داعية”، بلا برستيج ولا هيلمان، ولا شو يصرفه عن الإخلاص ، وأن ينكسر الدعاة لربهم ويتواضعوا لخلق الله، فلا يدوروا حول ذواتهم ولكن يدوروا مع الشريعة حيث دارت، ولا يستكثروا من الدنيا إلا ما يغنيهم عن السؤال أو يكرموا به تلامذتهم النبهاء من طلاب العلم كما كان يفعل أبو حنيفة النعمان والليث بن سعد الذي كان يضع الدنانير في أطباق الفالوذج ” المهلبية” ويرسلها هدايا لتلاميذه النبهاء والفقراء حتى لا يجرح مشاعرهم فيأكل ويجد الدنانير الذهبية .
• عرضت عليه ” صلى الله عليه وسلم” مفاتيح خزائن الأرض فأبى وقال: أشبع يوماً فأشكر وأجوع يوماً فأصبر ، فقد كان زهده اختيارياً نابعاً من ضميره، ليتسرى بذلك كل فقير ومحروم ، فلا ييأس ولا يقنط من شظف حياته وضيق رزقه وقد كان يمر الهلال والهلال والهلال ثلاثة أهله وما يوقد في بيت من بيوت رسول الله نار ، أي لا يطبخ فيها طعاماً، وكان يخرج أحياناً من البيت جوعانا فيلقي أبا هريرة ، فيشكو إليه الجوع فيقول له أصابك الذي أصابني، ثم يأخذه ليشربا اللبن عند أحد الصحابة الأثرياء وهو نبي الأمة التي تفتديه بنفسها.
• كتب الشيخ/ خالد إسماعيل المفتش الديني بلبنان مقالا في مجلة منبر الإسلام المصرية بعنوان ” المولد النبوي من الاحتفاء إلي الاقتداء” أعجبني العنوان الذي يحمل الفكرة الرئيسية التي نتوق إليها، فأكثر الاحتفاء والاحتفال بالمولد النبوي الذي يعم معظم الكرة الأرضية وتغمره الكلمات والأشعار والتواشيح والأغاني والتجمعات يمر بلا مردود أخلاقي مماثل علي الأرض أو اقتداء حقيقي بالرسول علي أرض الواقع في دنيا المسلمين.
• فأكثر التقاتل بين المسلمين وأكثر التمزق في بلادهم ،وأكثر الجوع والفقر في أوطانهم، وأكثر اللاجئين في بلاد العرب والمسلمين وأكثر التفاوت الطبقي عندنا، فمعظم العمال الذين ماتوا في الإسماعيلية كان أجر الواحد منهم في ظروف عمل قاسية مائة جنيه في الوقت الذي تجد تذكرة حفلة الفنان فلان في الساحل الشمالي عشرين ألف جنيه .
• ما أحوج أمتنا للانتقال من مجرد الاحتفال إلي الاقتداء ، الاحتفاء والاحتفال مطلوب ومهم وسهل ، ولكن الاقتداء صعب،لن نصنع حضارة عظيمة إلا بالاقتداء ” لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ” .
• جيل الصحابة والتابعين قدم الاقتداء علي الاحتفاء مع التمسك بالاحتفاء فسادوا الدنيا بأسرها ، تحية للشيخ خالد ، وفرج الله كرب لبنان وتحية لمجلة منبر الإسلام في ثوبها الجديد والمتجدد والذي يقدم الآن وجبة دسمة حيث يكتب فيها علماء من معظم الدول العربية والإسلامية في تقليد جديد وجيد.
• أصيب عالم الشعراء وشاعر العلماء الإمام البوصيري بالفالج وهو الشلل النصفي ففكر في نظم قصيدته “البردة ” فكتبها وأهداها لرسول الله صلى الله عليه وسلم واستشفع بها الرسول صلى الله عليه وسلم إلي الله أن يعافيه من الشل النصفي الذي أحزنه وآلمه وكرر إنشادها وبكي ودعا وتوسل بها الله واستشفع بالرسول صلى الله عليه وسلم ثم نام فرأي النبي صلى الله عليه وسلم فمسح علي وجهه بيده الكريمة وألقي عليه بردة فانتبه من نومه ووجد في جسده قوة وقدرة علي الحركة فخرج من بيته، ثم انتشر ذكر المنام ووصل الي بهاء الدين وزير الطاهر فبعث إلي البوصيري فأخذها واستنسخها ونذر ألا يسمعها إلا قائماً مكشوف الرأس وكان يحب سماعها وأهل بيته إجلالاً للنبي الكريم.
• وكان كعب بن زهير قد أمنه الرسول بعد أن أهدر دمه فألقى قصيدته الشهيرة التي مطلعها ” بانت سعاد ” فأعجب الرسول صلى الله عليه وسلم بها فأهداه بردته الشهيرة، أما أحمد شوقي أمير الشعراء فكتب ” نهج البردة ” وهو أول من أطلق علي النبي محمد صلى الله عليه وسلم “أمير الأنبياء” ولذا أصبحت البردة علما وجائزة ووساماً علي كل من ينال السبق في مدح النبي صلى الله عليه وسلم.

اقرأ أيضا: د. ناجح إبراهيم يكتب: أحمد رأفت.. الإنسان في ثوب الجنرال (1-2)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى