الصين في الشرق الأوسط.. من بيع السلاح إلى بناء النفوذ العسكري

موقع بيان الإخبارى

لم تعد العلاقة العسكرية بين الصين ودول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تقتصر على صفقات السلاح، وإنما أصبحت جزءا من حضور صيني أوسع في منطقة شديدة الأهمية بالنسبة إلى أمن الطاقة والتجارة العالمية والممرات البحرية.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية الخارجية الأكثر نفوذا في المنطقة بفارق كبير، فإن بكين تتحرك تدريجيا لبناء شبكة من العلاقات الدفاعية والتدريبات العسكرية ومبيعات الأسلحة، مع تجنب الانخراط في التزامات أمنية مباشرة واسعة النطاق.

وتكشف أحدث البيانات أن الصين تنظر إلى المنطقة باعتبارها مساحة مهمة لتوسيع نفوذها العسكري والدبلوماسي، بالتوازي مع مصالحها الاقتصادية الضخمة فيها.

إنفاق عسكري صيني يتجاوز 335 مليار دولار

وفقا لأحدث تقديرات SIPRI، بلغ الإنفاق العسكري الصيني في عام 2025 نحو 336 مليار دولار، بزيادة حقيقية قدرها 7.4% مقارنة بعام 2024، لتحتل الصين المرتبة الثانية عالميا بعد الولايات المتحدة، التي بلغ إنفاقها العسكري 954 مليار دولار. ويشكل الإنفاق الصيني أحد المحركات الرئيسية للتحديث المتواصل لجيش التحرير الشعبي، ولا سيما القوات البحرية والصاروخية والجوية.

ولا يعني ذلك أن الصين تنفق في الشرق الأوسط جزءا مماثلا من هذه الأموال، وإنما يعكس حجم الموارد التي باتت بكين قادرة على تخصيصها لتطوير قدراتها العسكرية، بما فيها الأسطول البحري الذي يمثل الأداة الأهم للحضور الصيني خارج شرق آسيا.

الشرق الأوسط.. سوق مهمة

تظل منطقة الشرق الأوسط من أكبر أسواق السلاح في العالم. وتشير بيانات SIPRI إلى أن دول الشرق الأوسط استحوذت على 27% من واردات الأسلحة العالمية خلال 2020–2024، بينما حصلت دول شمال أفريقيا على 2.2% إضافية.

لكن الولايات المتحدة لا تزال اللاعب المسيطر بصورة واضحة؛ فقد وفرت 50% من واردات دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من الأسلحة الرئيسية خلال 2020–2024، تلتها إيطاليا بنسبة 12%، وفرنسا 9.7% وألمانيا 7.6%.

أما الصين، فبلغت حصتها 1.2% فقط من واردات أسلحة دول المنطقة خلال الفترة نفسها، مقابل 3% في الفترة 2015–2019. وفي المقابل تراجعت حصة روسيا بشدة من 18% إلى 4.1%.

وهذه الأرقام مهمة لأنها تكشف أن صعود الصين العسكري في المنطقة لا يعني أنها أصبحت منافسا عسكريا مكافئا للولايات المتحدة، وإنما يعني أنها بدأت تكتسب موطئ قدم في سوق كانت تهيمن عليه تقليديا واشنطن وموسكو وبعض الدول الأوروبية.

لماذا تشتري دول عربية السلاح الصيني؟

تستفيد الصين من مجموعة عوامل تساعدها على دخول أسواق المنطقة، أبرزها انخفاض التكلفة مقارنة ببعض البدائل الغربية، والاستعداد لتقديم تكنولوجيا عسكرية لا تكون متاحة بسهولة من الموردين الغربيين، فضلا عن غياب الشروط السياسية المرتبطة ببعض الصفقات الغربية.

وتبيع الشركات الصينية في المنطقة طائرات مسيرة وأنظمة دفاع جوي وصاروخي ومعدات مضادة للطائرات المسيرة ومدرعات ومعدات إلكترونية.

كما أن بكين لا تربط التعاون العسكري دائما بتحالف سياسي أو التزام أمني طويل الأمد، وهو ما يمنح دولا عربية مساحة للمناورة وتنويع مصادر التسليح.

وتظهر البيانات أن الصين كانت موردا مهما لبعض دول المنطقة، وإن بدرجات متفاوتة. ففي الجزائر مثلا شكلت الأسلحة الصينية 19% من وارداتها الرئيسية خلال 2020–2024، بينما تصدرت الولايات المتحدة وإيطاليا وألمانيا وفرنسا أسواقا أخرى في المنطقة.

السعودية والإمارات ومصر والجزائر.. علاقات تتجاوز السلاح

ولا تتحرك الصين بالطريقة نفسها مع جميع دول المنطقة، فقد أقامت علاقات استراتيجية واسعة مع مصر والسعودية والإمارات والجزائر وإيران، بينما أصبح التعاون الدفاعي أحد مكونات علاقات أوسع تشمل الطاقة والاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا.

وتشير خدمة أبحاث الكونجرس الأمريكي إلى أن الجزائر والسعودية وإيران والعراق ومصر اشترت أسلحة صينية المنشأ، كما شاركت دول من المنطقة في تدريبات أو أنشطة عسكرية مع الجيش الصيني.

وبالنسبة إلى مصر تحديدا، فإن التعاون العسكري الصيني لا يعني تحول القاهرة إلى حليف عسكري لبكين، إذ تواصل مصر تنويع مصادر تسليحها وعلاقاتها الدفاعية بين الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وروسيا والصين، وفقا لاحتياجاتها الاستراتيجية.

إيران.. العلاقة العسكرية الأكثر حساسية

تمثل إيران حالة مختلفة، بسبب طبيعة المواجهة بين طهران وواشنطن، والعقوبات الأمريكية، والمنافسة الإقليمية.

وشاركت الصين وإيران وروسيا منذ 2019 في سلسلة من التدريبات البحرية المشتركة، كان أحدثها في مارس 2025، عندما أجرت الدول الثلاث مناورة «حزام الأمن 2025» قرب ميناء تشابهار الإيراني.

وقالت وزارة الدفاع الصينية إن أكثر من عشر سفن ووحدات من القوات الخاصة والغواصين شاركت في التدريب، الذي شمل ضرب أهداف بحرية وعمليات التفتيش والاقتحام والبحث والإنقاذ ومكافحة الإرهاب والقرصنة. كما أعلنت أن هذه كانت المناورة البحرية المشتركة الخامسة بين الدول الثلاث منذ 2019.

لكن من الخطأ وصف العلاقة الصينية الإيرانية بأنها تحالف عسكري كامل. فدراسة حديثة للجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأمريكية ـ الصينية خلصت إلى أن بكين تجنبت تقديم التزامات دفاعية رسمية لطهران، وأن التعاون العسكري الثنائي المباشر ظل محدودا، بينما تركز جزء مهم من النشاط في التدريبات الثلاثية ومتعددة الأطراف.

التدريبات العسكرية.. دبلوماسية بحرية صينية

تكشف التدريبات المشتركة عن تطور مهم في السياسة العسكرية الصينية، فوفقا للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS، شارك جيش التحرير الشعبي الصيني في 36 مناورة عسكرية مشتركة عام 2023 و34 عام 2024، مقارنة بـ19 مناورة فقط عام 2015.

وكان للبحرية الصينية الدور الأكبر في هذا التوسع، إذ أصبحت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا واحدة من المناطق التي شهدت أكبر عدد من أنشطة البحرية الصينية المشتركة خلال السنوات الأخيرة.

وفي 2025 نفذت الصين 25 مناورة عسكرية مع دول أجنبية، بينها 7 تدريبات في الشرق الأوسط، وفقا لبيانات مركز الدراسات العسكرية الصينية في جامعة الدفاع الوطني الأمريكية. وشملت التدريبات أنشطة مع السعودية ومصر ودول أخرى.

وهنا تظهر أهمية المناورات بالنسبة إلى بكين: فهي لا تختبر الأسلحة فقط، وإنما تمنح الجيش الصيني خبرة في العمل بعيدا عن الأراضي الصينية، وتتيح للبحرية ممارسة عمليات الانتشار البحري والتنسيق مع قوات أجنبية.

جيبوتي.. مفتاح الحضور العسكري الصيني

تظل جيبوتي أهم نقطة في الوجود العسكري الصيني خارج البلاد، فالصين تمتلك في جيبوتي أول قاعدة عسكرية خارجية معترف بها لها، وتتمتع بموقع شديد الحساسية بالقرب من باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن، وعلى مقربة من طرق التجارة والطاقة التي تربط آسيا بالشرق الأوسط وأوروبا.

وتشير خدمة أبحاث الكونجرس الأمريكي إلى أن القاعدة في جيبوتي هي أول قاعدة عسكرية خارجية للصين، وأن موقعها يمنح بكين قدرة على دعم عملياتها البحرية والوصول إلى خطوط الملاحة الحيوية في المنطقة.

لكن القاعدة لا ينبغي النظر إليها منفصلة عن النشاط الاقتصادي الصيني في أفريقيا والشرق الأوسط. فالموقع يسمح للصين بحماية مصالحها التجارية وإجلاء مواطنيها ودعم عمليات مكافحة القرصنة، وفي الوقت نفسه يمنح البحرية الصينية نقطة ارتكاز لوجستية بعيدة عن قواعدها الرئيسية في شرق آسيا.

هل تنافس الصين الولايات المتحدة عسكريا؟

الإجابة الأكثر دقة هي: ليس بعد، ولا يبدو أن هذا هو هدف بكين المباشر في المنطقة، فالولايات المتحدة ما زالت تتفوق بصورة هائلة في حجم القوات المنتشرة، وشبكة القواعد، والتحالفات، ومبيعات الأسلحة. وتوضح بيانات SIPRI أن واشنطن وفرت نصف واردات الأسلحة الرئيسية لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال 2020–2024.

لكن الصين تتحرك في اتجاه مختلف: تنويع أدوات النفوذ بدلا من بناء تحالفات عسكرية تقليدية.

فهي تبيع السلاح، وتشارك في التدريبات، وتعرض التكنولوجيا العسكرية، وتبني علاقات دفاعية، وتحافظ على وجود بحري متزايد، وفي الوقت نفسه تحاول تجنب تحمل تكلفة الالتزامات الأمنية التي تتحملها الولايات المتحدة.

من السلاح إلى النفوذ

تكشف الصورة الكاملة أن السلاح ليس سوى أحد مكونات الاستراتيجية الصينية، فبكين تسعى إلى أن تكون شريكا اقتصاديا وسياسيا وأمنيا في منطقة ترتبط بها مصالحها في الطاقة والتجارة والممرات البحرية. كما أن قدرتها على التواصل مع خصوم واشنطن وحلفائها في الوقت نفسه تمنحها مساحة دبلوماسية واسعة.

وتبرز الوساطة الصينية بين السعودية وإيران عام 2023 مثالا على هذا النهج؛ فقد استضافت بكين الاتفاق الذي أعاد العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، في خطوة عكست استعداد الصين لتوسيع دورها السياسي في المنطقة.

التعيير هو الهدف

والصين لا تستعد، وفق المعطيات الحالية، لاستبدال الولايات المتحدة كقوة عسكرية مهيمنة على الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لكنها تعمل على تغيير شكل المنافسة.

فمن خلال الإنفاق العسكري المتزايد، وتطوير البحرية، ومبيعات الأسلحة، والمناورات المشتركة، والقاعدة في جيبوتي، والشراكات الدفاعية مع دول عربية وإيران، تبني بكين حضورا عسكريا تدريجيا يسمح لها بحماية مصالحها ورفع كلفة تجاهلها في قضايا المنطقة.

والأهم أن هذا الحضور لا يقوم على تحالفات عسكرية شبيهة بحلف الناتو، وإنما على شبكة مرنة من العلاقات تتغير من دولة إلى أخرى.

وبالنسبة إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قد يكون التطور الأهم خلال السنوات المقبلة ليس انتقال المنطقة من النفوذ الأمريكي إلى النفوذ الصيني، وإنما دخولها مرحلة تعدد مصادر القوة والتسليح والنفوذ، بحيث تصبح الصين لاعبا عسكريا وسياسيا لا يمكن تجاهله، حتى وإن بقيت الولايات المتحدة القوة العسكرية الأولى بفارق كبير.

…………………………………………………………….

أهم المصادر التقرير
SIPRI: بيانات الإنفاق العسكري ونقل الأسلحة الدولية.

IISS: تحليل تطور التدريبات العسكرية الصينية وانتشار البحرية الصينية.

Congressional Research Service: العلاقات الصينية مع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والوجود العسكري في جيبوتي.

CSIS: التعاون العسكري الصيني ـ الإيراني والتدريبات الثلاثية مع روسيا.

وزارة الدفاع الصينية: بيانات رسمية عن مناورة «حزام الأمن 2025».

طالع المزيد: وزير النقل يشهد تسلم «وادي النيل» و«وادي القمر» من الصين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى