درة في تاج القاهرة التاريخية: بعد خمسة قرون ونصف «قايتباي» يستعيد بريقه
إعادة افتتاح القبة الضريحية للسلطان الأشرف قايتباي بعد مشروع ترميم دقيق.. تحفة العمارة المملوكية تعود إلى المشهد السياحي والثقافي
في قلب القاهرة التاريخية، وبين شواهد عصر المماليك في صحراء المماليك، عادت واحدة من أبرز روائع العمارة الإسلامية إلى دائرة الضوء من جديد، مع إعادة افتتاح القبة الضريحية لمسجد السلطان الأشرف قايتباي، بعد الانتهاء من مشروع متكامل لترميمها والحفاظ على عناصرها المعمارية والفنية.
ويأتي افتتاح القبة، التي تتصل بمجمع السلطان قايتباي الذي يعود إلى القرن الخامس عشر، في إطار جهود مصر المتواصلة للحفاظ على تراث القاهرة التاريخية وإعادة تقديم آثارها أمام الزائرين، بما يعزز مكانة العاصمة المصرية باعتبارها واحدة من أهم مدن التراث الإسلامي في العالم.
وأُعيد افتتاح القبة رسميًا في 20 يوليو 2026، بحضور شريف فتحي وزير السياحة والآثار، والدكتور إبراهيم صابر محافظ القاهرة، وروبرت سيلفرمان القائم بأعمال سفير الولايات المتحدة بالقاهرة، إلى جانب الدكتور هشام الليثي الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، وأجنيشكا دوبروفولسكا مديرة شركة «أركينوس» للهندسة المعمارية التي نفذت مشروع الترميم تحت إشراف المجلس الأعلى للآثار.
«قايتباي».. تحفة من العصر المملوكي
لا يمكن النظر إلى مجمع السلطان قايتباي باعتباره مجرد مسجد أو ضريح تاريخي، فهو واحد من أكثر النماذج اكتمالًا وتفردًا للعمارة المملوكية في القاهرة.
وتشير المصادر المتخصصة في دراسة الفن الإسلامي إلى أن أعمال إنشاء المجمع بدأت عام 877هـ/1472م، بينما اكتمل بناء القبة عام 879هـ/1474م، في عهد السلطان الأشرف أبو النصر قايتباي، الذي حكم السلطنة المملوكية في الفترة من 1468 إلى 1496.
ويضم المجمع مسجدًا ومدرسة وسبيلًا وكتابًا وقبة ضريحية، فيما تكشف النقوش الموجودة بالمبنى عن ارتباطه المباشر بالسلطان قايتباي وتاريخ إنشائه.
وتصف مصادر متخصصة المجمع بأنه من أجمل نماذج العمارة الإسلامية في مصر، لما يجمعه من تناسق معماري ودقة في النسب وثراء في الزخارف الحجرية والرخامية والخشبية.
قبة مميزة في عمارة المماليك
تكتسب القبة الضريحية للسلطان قايتباي أهمية خاصة بين القباب المملوكية في القاهرة، ليس فقط باعتبارها مدفن السلطان، وإنما لما تتميز به من معالجة معمارية وزخرفية بالغة الدقة.
وتبرز في المجمع الواجهة الرئيسية ذات المدخل المملوكي المميز، إلى جانب المئذنة التي تعد من النماذج البارزة للمآذن المملوكية، فضلًا عن العناصر الزخرفية المتنوعة التي تجمع بين الحجر المنحوت والرخام والأخشاب والجص والزجاج الملون.
أما القبة نفسها فتعد من أكثر العناصر شهرة في المجمع، لما تتميز به من زخارف هندسية وتكوين معماري يجسد مستوى التطور الذي بلغته العمارة المملوكية في القرن الخامس عشر.
وتؤكد قواعد بيانات متخصصة في التراث الإسلامي أن المجمع يمثل نموذجًا بارزًا لتكامل عناصر العمارة الدينية والخدمية في المنشآت المملوكية، إذ يجمع المسجد والمدرسة والسبيل والكتاب والضريح في وحدة معمارية واحدة.
خمسة أعوام من العمل للحفاظ على الأثر
لم تكن عملية إعادة افتتاح القبة مجرد أعمال صيانة سطحية، وإنما جاءت تتويجًا لمشروع ترميم استغرق سنوات، واستهدف معالجة مجموعة واسعة من المشكلات التي أصابت المبنى بفعل الزمن والعوامل البيئية.
ووفقًا لوزارة السياحة والآثار، نُفذ المشروع على مرحلتين، بدأت الأولى بأعمال التوثيق والدراسات الأثرية، شملت الرفع المعماري والدراسات الفنية، إلى جانب الترميم الدقيق للقبة النحاسية وكرسي المقرئ.
أما المرحلة الثانية فتضمنت أعمال الترميم والصيانة الشاملة للعناصر المعمارية والزخرفية، باستخدام أساليب علمية ومواد تتوافق مع الطبيعة الأثرية للمبنى.
ووفق تقرير لوكالة «أسوشيتد برس» نشرته Africanews، جرى تنفيذ أعمال المشروع خلال الفترة من أكتوبر 2022 إلى نوفمبر 2024، وشملت إصلاح الأحجار الخارجية والقبة، إلى جانب عمليات تنظيف واسعة كشفت مجددًا عن كثير من الألوان والتفاصيل الأصلية للمبنى.
من الرطوبة والأملاح إلى الزخارف الدقيقة
وشملت أعمال الترميم تنظيف العناصر الحجرية ومعالجة آثار الرطوبة والأملاح، فضلًا عن تدعيم الجدران وحقن الشروخ.
كما جرى العمل على إظهار الكتابات والزخارف القرآنية، وترميم الشبابيك الجصية، واستكمال الأجزاء المفقودة من الزجاج الملون، إلى جانب صيانة العناصر الخشبية والرخامية.
وامتدت أعمال الترميم إلى زخارف المحراب، حيث جرى التعامل معها بدقة وإعادة تذهيب بعض عناصرها بما يحافظ على طابعها الفني والأثري الأصلي.
وتكتسب هذه التفاصيل أهمية خاصة في مشاريع ترميم الآثار الإسلامية، لأن الهدف لا يتمثل في تجديد المبنى وفق مفهوم العمارة الحديثة، وإنما في الحفاظ على أكبر قدر ممكن من مادته الأصلية وخصائصه الفنية، مع معالجة عوامل التلف التي تهدد بقاءه.
شراكة مصرية أمريكية لحماية التراث
أحد أبرز جوانب مشروع ترميم قبة قايتباي أنه جاء ثمرة تعاون بين المجلس الأعلى للآثار والجانب الأمريكي، من خلال «صندوق السفراء الأمريكي للحفاظ على التراث الثقافي» (AFCP).
وكان الصندوق قد قدم في أغسطس 2022 منحة لتنفيذ المشروع، فيما تولت شركة «أركينوس» للهندسة المعمارية تنفيذ أعمال الترميم تحت الإشراف الكامل للمجلس الأعلى للآثار.
وأكدت وزارة السياحة والآثار أن المشروع يمثل نموذجًا للتعاون الدولي في مجال حماية التراث الثقافي والحفاظ على الموروث المعماري المصري.
كما يأتي المشروع ضمن تعاون أوسع بين مصر والولايات المتحدة في مجال الحفاظ على المباني التاريخية في القاهرة، إذ أشارت محافظة القاهرة إلى أن الشراكة أسهمت في دعم ترميم وإحياء عدد من المباني التاريخية الأخرى في القاهرة.
تطوير المنطقة المحيطة.. الأثر في سياقه العمراني
لم تتوقف أعمال التطوير عند المبنى الأثري نفسه، إذ شهد محيط قبة السلطان قايتباي أعمالًا استهدفت تحسين البيئة العمرانية المحيطة بالموقع.
وشملت الأعمال رفع كفاءة الطرق والمحاور المؤدية إلى المنطقة، وتطوير الأرصفة، وتحسين منظومة الإنارة، وإزالة الإشغالات، والارتقاء بالمشهد البصري.
وترى محافظة القاهرة أن الحفاظ على الأثر لا ينفصل عن تطوير المنطقة المحيطة به، بما يسمح بإعادة دمج المبنى التاريخي في النسيج العمراني والسياحي للقاهرة التاريخية.
من القلعة إلى مقابر المماليك.. مسار حضاري متكامل
وتأتي إعادة تقديم مجمع قايتباي ضمن رؤية أوسع لإحياء القاهرة التاريخية، لا تركز فقط على ترميم مبانٍ أثرية منفردة، وإنما تسعى إلى ربط المواقع التاريخية في مسارات متكاملة.
وأشارت محافظة القاهرة إلى مسار حضاري يمتد من قلعة صلاح الدين الأيوبي مرورًا بمنطقة السيدة عائشة ومجرى العيون وحدائق تلال الفسطاط وصولًا إلى منطقة مقابر المماليك وقبة السلطان قايتباي.
وتعكس هذه الرؤية تحولًا في التعامل مع التراث من مجرد الحفاظ على المباني إلى إعادة توظيف المناطق التاريخية سياحيًا وثقافيًا، وإتاحة المجال أمام الزائر للتعرف على طبقات متتالية من تاريخ القاهرة داخل مسار واحد.
«قايتباي» على العملة المصرية
ولم تقتصر شهرة مسجد ومجمع السلطان قايتباي على كتب التاريخ والعمارة، بل أصبح المبنى جزءًا من الذاكرة البصرية للمصريين، بعدما ظهر على ورقة الجنيه المصري.
وتظهر صورة مسجد السلطان قايتباي على وجه الجنيه المصري في إصدارات ورقية سابقة، وهو ما جعل صورة المبنى مألوفة لأجيال من المصريين، حتى بالنسبة لمن لم تتح لهم فرصة زيارة القاهرة التاريخية.
وهكذا أصبح الأثر حاضرًا في الحياة اليومية إلى جانب حضوره في كتب العمارة والتاريخ، وتحول إلى أحد الرموز البصرية التي ارتبطت بصورة مصر وتراثها الإسلامي.
لماذا يمثل ترميم قايتباي أهمية خاصة؟
تنبع أهمية المشروع من عدة مستويات في وقت واحد؛ فالمجمع يمثل وثيقة حية على تطور العمارة المملوكية، كما يمثل جزءًا مهمًا من هوية القاهرة التاريخية.
ومن الناحية السياحية، فإن إعادة تقديم القبة بعد ترميمها تضيف نقطة جذب جديدة إلى منطقة تضم عددًا كبيرًا من المنشآت المملوكية، ويمكن أن تسهم في تنشيط السياحة الثقافية، خصوصًا مع تزايد الاهتمام العالمي بالعمارة الإسلامية والقاهرة التاريخية.
أما من الناحية العلمية، فإن أعمال الترميم توفر نموذجًا لكيفية التعامل مع المباني التاريخية شديدة الحساسية، حيث يتعين تحقيق توازن بين الحفاظ على الأصالة والتدخل الضروري لحماية المبنى من التدهور.
القاهرة التاريخية.. ترميم يتجاوز الحجر
ويأتي مشروع قايتباي في سياق سلسلة من مشروعات ترميم الآثار الإسلامية في القاهرة.
ففي مارس 2026، أعلنت وزارة السياحة والآثار الانتهاء من ترميم ثلاثة معالم أثرية بمنطقة القلعة، هي إيوان أقطاي، وساقية الناصر محمد بن قلاوون، ومسجد محمد باشا، في إطار استراتيجية تستهدف الحفاظ على التراث وتعزيز الاستفادة منه كعنصر جذب سياحي.
كما شهد يونيو 2026 الإعلان عن تقدم أعمال ترميم مسجد المصبغة، ضمن مشروع أوسع لإحياء المنطقة التاريخية المحيطة بالقاهرة الإسلامية، بما يؤكد أن ترميم قايتباي ليس مشروعًا منفردًا، وإنما جزء من توجه أوسع للحفاظ على التراث الإسلامي وإعادة إدماجه في الحياة الثقافية والسياحية.
أثر يستعيد مكانته
إعادة افتتاح قبة السلطان الأشرف قايتباي لا تعني فقط أن مبنى تاريخيًا عاد إلى استقبال الزائرين، وإنما تعكس محاولة لإعادة قراءة القاهرة من خلال آثارها.
فالمكان الذي شهد قبل أكثر من خمسة قرون بناء واحد من أبرز المجمعات المملوكية، عاد اليوم ليقدم تفاصيله المعمارية والفنية بعد تدخل ترميمي استهدف إزالة آثار الزمن دون طمس بصماته.
وبين الحجر المنحوت والقباب المزخرفة والنقوش والخطوط والزجاج الملون، يقدم قايتباي صورة حية لمرحلة مهمة من تاريخ القاهرة، ويؤكد أن التراث الإسلامي المصري لا يزال قادرًا على أداء دوره كجسر بين الماضي والحاضر، وكعنصر رئيسي في صناعة السياحة الثقافية وتعريف العالم بتاريخ مصر.
وهكذا تستعيد قبة السلطان الأشرف قايتباي حضورها في المشهد الثقافي والسياحي للقاهرة، ليس باعتبارها أثرًا من الماضي فحسب، وإنما باعتبارها جزءًا حيًا من هوية مدينة ظلت على مدى قرون مركزًا للحضارة والفن والعمارة الإسلامية.














