مصالح الصين في شرق أوسط يتغير.. ماذا تريد بكين وماذا يراد منها؟

تقرير يكتبه: عاطف عبد الغنى

تصاعدت الصراعاتُ فى منطقة الشرق الأوسط وهددت التدفقاتِ الحيويةَ للطاقة والتجارة بشكل جذري وطويل الأمد، وفى قلب المشهد تبرز الصين والرهان على دورها الحالى والمحتمل فى المستقبل القريب، ومما لاشك فيه أن الصين بدورها ستواجه حتماً ضغوطاً لإعادة تعريف دورها، ليس فقط كقوة اقتصادية، بل كفاعل يتحمل جزءاً من مسؤوليات الاستقرار في النظام الدولي الذى تتم إعادة هيكلته الآن.

محددات المصالح الصينية

دخل الانخراط الصيني في الشرق الأوسط خلال عام 2026 مرحلة مختلفة عن تلك التي سادت خلال العقد الماضي، بعدما تحولت المنطقة من ساحة رئيسية لتوسيع التجارة والاستثمارات الصينية إلى بيئة أكثر اضطرابا، تهدد بصورة مباشرة بعض المصالح الحيوية لبكين، وفي مقدمتها أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والممرات البحرية.
وتكشف أزمة مضيق هرمز، الممتدة منذ اندلاع الحرب الأمريكية–الإيرانية في 28 فبراير 2026، عن جانب بالغ الحساسية في علاقة الصين بالشرق الأوسط؛ فبكين أصبحت تعتمد بصورة كبيرة على تدفقات الطاقة القادمة من المنطقة، في الوقت الذي لا تمتلك فيه شبكة أمنية وعسكرية مماثلة لتلك التي تمتلكها الولايات المتحدة لحماية هذه المصالح.

وتكتسب التطورات الحالية أهمية استثنائية بالنسبة للصين، باعتبارها أكبر مستورد للنفط الخام في العالم.

فقد بلغت وارداتها مستوى قياسيا عند نحو 11.6 مليون برميل يوميا خلال عام 2025، قبل أن تهبط وارداتها إلى نحو 8.1 مليون برميل يوميا في الربع الثاني من 2026 نتيجة ارتفاع الأسعار واضطراب التدفقات عبر مضيق هرمز.

وهكذا أصبحت المعادلة الصينية في الشرق الأوسط أكثر تعقيدا: نفوذ اقتصادي واسع، مقابل قدرة أمنية محدودة، واعتماد متزايد على بيئة إقليمية لا تستطيع بكين التحكم في مساراتها بصورة مباشرة.

الصين والشرق الأوسط.. نفوذ بدأ من الاقتصاد

لم تبن الصين نفوذها في الشرق الأوسط على نموذج التحالفات العسكرية، وإنما اتبعت خلال السنوات الماضية مقاربة مختلفة تقوم على التجارة والاستثمار والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا.

وتحولت الصين تدريجيا إلى شريك تجاري رئيسي لدول عربية عديدة، وفي مقدمتها دول الخليج.

ووفقا للبيانات الصينية الرسمية، بلغ حجم التجارة بين الصين والدول الأعضاء في جامعة الدول العربية 1.72 تريليون يوان، بما يعادل نحو 241.6 مليار دولار، خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2025، بزيادة 3.2% على أساس سنوي.

والأهم أن أكثر من 40% من واردات الصين من النفط الخام خلال الفترة نفسها جاءت من الدول العربية، بينما بلغت صادرات الصين إلى هذه الدول من الآلات والمنتجات الإلكترونية نحو 557.66 مليار يوان.

وتكشف هذه الأرقام أن العلاقة الصينية–العربية لم تعد مجرد علاقة تقوم على شراء النفط مقابل تصدير السلع، وإنما تطورت إلى شبكة اقتصادية أوسع تضم الطاقة والصناعة والبنية التحتية والخدمات والتكنولوجيا.

وتتسق هذه السياسة مع الرؤية الصينية المعلنة منذ سنوات، والتي تنظر إلى العالم العربي باعتباره شريكا في التنمية ومشروعات البنية الأساسية، مع التركيز على توسيع التجارة والاستثمار والتعاون التكنولوجي.

الخليج.. قلب المصالح الصينية

يمثل الخليج العربي النقطة الأكثر أهمية في الحسابات الصينية، ليس فقط بسبب حجم التجارة والاستثمارات، وإنما بسبب موقعه في منظومة أمن الطاقة الصينية.

وتكشف أزمة مضيق هرمز عن حجم هذه الحساسية. فالمضيق مر عبره في عام 2025 ما يقرب من 15 مليون برميل يوميا من النفط الخام، أي نحو 34% من تجارة النفط الخام العالمية، وكانت الصين والهند تستقبلان معا 44% من هذه الصادرات.

كما مر عبر المضيق ما يقرب من 20 مليون برميل يوميا من إجمالي النفط في 2025.

أما في قطاع الغاز الطبيعي المسال، فإن أهمية المضيق لا تقل خطورة؛ إذ تمر عبره صادرات قطر والإمارات من الغاز الطبيعي المسال، التي تمثل نحو 19% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية.

وتؤكد هذه البيانات أن استقرار الخليج بالنسبة لبكين ليس قضية إقليمية بعيدة، بل جزء من أمنها الاقتصادي والصناعي.

وفي الربع الأول من 2025، قدرت بيانات تحليلية أن الصين استوردت نحو 5.4 مليون برميل يوميا من النفط الخام عبر مضيق هرمز، وهو حجم يفوق ما استوردته الهند وكوريا الجنوبية واليابان مجتمعة خلال الفترة نفسها، بينما حصلت الصين على نحو 23% من الغاز الطبيعي المسال الذي عبر المضيق.

ومن هنا تبدو عبارة «معضلة هرمز» أكثر دقة في وصف الموقف الصيني؛ فبكين تحتاج إلى استقرار المضيق لكنها لا تملك القدرة أو الرغبة في تحمل مسؤولية أمنه بصورة مباشرة.

أزمة هرمز.. الاختبار الأصعب للنموذج الصيني

أظهرت الحرب الأمريكية–الإيرانية أن النموذج الصيني الذي يفصل عادة بين النفوذ الاقتصادي والمسؤولية الأمنية يواجه اختبارا غير مسبوق.

فمع اندلاع الحرب، اقتربت حركة الملاحة في مضيق هرمز من التوقف، ولم تكن السفن الصينية بمنأى عن التداعيات.

ووفقا لتحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، تراجعت حركة السفن الصينية عبر المضيق بصورة حادة، ووجدت عشرات السفن الصينية نفسها عالقة داخل الخليج.

وفي أغسطس 2026، بدأت شركات الشحن الحكومية الصينية COSCO Shipping Energy Transportation وChina Merchants Energy Shipping في إعادة توجيه ناقلات النفط بعيدا عن نقاط الاختناق البحرية، بما فيها مضيق هرمز وباب المندب، والاعتماد بصورة أكبر على عمليات نقل من سفينة إلى أخرى قبالة سواحل عمان والإمارات.

وأظهرت البيانات أن عمليات النقل البحري بهذه الطريقة تجاوزت 600 ألف برميل يوميا خلال يونيو ويوليو 2026، بعد أن كانت شبه معدومة في بداية العام.

ويمثل هذا التطور مؤشرا مهما؛ فالصين لم تنتقل إلى التدخل العسكري، لكنها بدأت تستخدم أدوات لوجستية وتجارية أكثر مرونة لحماية تدفق الطاقة، وهو ما يمكن وصفه بأنه «أمن اقتصادي دون عسكرة مباشرة».

البحر الأحمر وسواحل مصر.. بُعد آخر للمصالح الصينية

لا تتوقف المخاطر عند مضيق هرمز، إذ يمثل البحر الأحمر وقناة السويس مسارا حيويا بالنسبة للتجارة الصينية مع أوروبا.

وقد أدت الهجمات على السفن في البحر الأحمر خلال السنوات الماضية إلى اضطرار عدد من شركات النقل إلى تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، بما أدى إلى زيادة المسافات والتكاليف.

وتكتسب مصر في هذا السياق أهمية خاصة بالنسبة للصين؛ فموقعها يربط البحر الأحمر بالمتوسط عبر قناة السويس، كما أنها تمثل نقطة اتصال بين آسيا وإفريقيا وأوروبا.

ومع تصاعد المخاطر في المنطقة، بدأت تظهر بالفعل مسارات بديلة. فقد سجل ميناء العقبة الأردني، على سبيل المثال، زيادة قدرها 155.1% في أحجام الترانزيت خلال النصف الأول من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من 2025، بعدما بدأت بعض الشحنات المتجهة إلى العراق في استخدام العقبة كبديل للمسارات المتضررة في الخليج.

وبالتالي فإن الحرب الحالية لا تعيد رسم خريطة الطاقة فقط، وإنما تعيد أيضا رسم خريطة النقل والتجارة في الشرق الأوسط.

لماذا لا تتحول الصين إلى قوة أمنية في المنطقة؟

رغم اتساع المصالح الصينية، لا توجد حتى الآن مؤشرات قوية على أن بكين تتجه إلى بناء منظومة تحالفات أمنية شبيهة بالمنظومة الأمريكية.

وتكمن الأسباب في طبيعة العقيدة الصينية نفسها.

فبكين ترى أن الانخراط العسكري الخارجي واسع النطاق يمكن أن يؤدي إلى استنزاف الموارد، وإلى التورط في صراعات لا تخدم أولوياتها الأساسية، وعلى رأسها المنافسة مع الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ وقضية تايوان.

ولهذا تفضل الصين ما يمكن تسميته «الأمن الوظيفي»؛ أي تطوير قدرات محدودة لحماية التجارة والمواطنين والمنشآت والمصالح الخارجية، من دون الانتقال إلى إنشاء شبكة تحالفات دفاعية إقليمية.

وتوجد القاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي، التي تمثل أهم موطئ قدم عسكري صيني خارج شرق آسيا، لكنها تظل محدودة مقارنة بالانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة.

من «عدم التدخل» إلى دبلوماسية نشطة

مع ذلك، فإن الصين لم تعد تكتفي بالدبلوماسية الاقتصادية.

ويمثل الاتفاق السعودي–الإيراني الذي رعته بكين في مارس 2023 نقطة تحول واضحة في هذا المسار.

فقد استضافت بكين مفاوضات بين السعودية وإيران انتهت إلى اتفاق لاستئناف العلاقات الدبلوماسية وإعادة فتح السفارات، مع التأكيد على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

كما استمرت الآلية الثلاثية الصينية–السعودية–الإيرانية في متابعة تنفيذ الاتفاق، وعقدت اللجنة الثلاثية أول اجتماع على مستوى نواب وزراء الخارجية في ديسمبر 2023.

لكن التطورات اللاحقة أظهرت أيضا حدود قدرة الصين على تحويل النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي إلى نفوذ أمني حاسم.

فمع تصاعد الصراع الإيراني–الإسرائيلي، وجدت بكين نفسها أمام معادلة صعبة: فهي تريد الحفاظ على علاقتها بإيران، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى علاقات وثيقة ومستقرة مع السعودية والإمارات وقطر وبقية دول الخليج.

ولهذا فإن السياسة الصينية تقوم في جوهرها على إدارة التوازنات لا اختيار محور واحد.

إيران مهمة.. لكنها ليست العلاقة الوحيدة

غالبا ما يتم اختزال السياسة الصينية في الشرق الأوسط في علاقتها بإيران، لكن هذه القراءة لا تعكس حجم المصالح الصينية مع الدول العربية.

فعلى المستوى الاقتصادي، تمثل دول الخليج بالنسبة للصين أسواقا ومصادر طاقة وشركاء استثماريين أكبر بكثير من إيران.

وتشير تحليلات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى وجود فارق اقتصادي كبير بين العلاقات الصينية–الإيرانية والعلاقات الصينية مع الدول الخليجية؛ فالصين تمثل نحو ثلث التجارة الإيرانية، في حين تمثل إيران أقل من 1% من التجارة الصينية.

ومن ثم فإن علاقة الصين بإيران لا تعني أنها اختارت طهران على حساب الخليج، وإنما تعكس سياسة أوسع تقوم على الحفاظ على خطوط اتصال مفتوحة مع أطراف متنافسة.

الجبهة الجديدة للمنافسة الصينية الأمريكية

إذا كان النفط هو أساس العلاقات الصينية–الخليجية خلال العقود الماضية، فإن التكنولوجيا أصبحت بصورة متزايدة أحد أهم ميادين التنافس.

وتعمل الشركات الصينية في قطاعات الاتصالات والبنية التحتية الرقمية والمدن الذكية وأنظمة التكنولوجيا الحديثة في عدد من دول الشرق الأوسط.

وتكمن أهمية هذا المجال في أن البنية التكنولوجية لا تشبه الاستثمارات التقليدية؛ فعندما تعتمد دولة ما على نظام اتصالات أو منصات رقمية أو بنية بيانات مرتبطة بمورد خارجي، فإن العلاقة يمكن أن تستمر لسنوات طويلة بسبب ارتفاع تكلفة استبدال النظام.

وهذا ما يجعل المنافسة بين الصين والولايات المتحدة في المنطقة تتجاوز مسألة بيع المعدات، لتصل إلى من يضع المعايير الرقمية والبنية التحتية التكنولوجية للشرق الأوسط في المستقبل؟

ومن هذه الزاوية، فإن مصر ودول الخليج تمثل أسواقا استراتيجية لكل من بكين وواشنطن.

الصين ومصر.. نموذج لشراكة متعددة الأبعاد

تحتل مصر موقعا خاصا في الحسابات الصينية بسبب موقعها الجغرافي الذي يجمع بين البحر المتوسط والبحر الأحمر وقناة السويس، إلى جانب سوقها المحلية الكبيرة وموقعها كبوابة إلى إفريقيا.

ولهذا فإن المصالح الصينية في مصر لا تقتصر على التجارة، وإنما تمتد إلى مشروعات البنية التحتية والمناطق الصناعية والطاقة واللوجستيات.

وتتزايد أهمية مصر بالنسبة للصين مع ارتفاع المخاطر التي تهدد الطرق البحرية التقليدية؛ إذ توفر الأراضي المصرية بدائل لوجستية ومراكز تخزين وتصنيع ونقل يمكن أن تساعد الشركات الصينية على الوصول إلى الأسواق الإفريقية والأوروبية.

وهنا تتحول مصر من مجرد سوق للمنتجات الصينية إلى عنصر في استراتيجية أوسع لإعادة توزيع سلاسل الإمداد.

الممرات البديلة.. إعادة رسم خريطة التجارة

أدت اضطرابات هرمز والبحر الأحمر إلى تسريع الاهتمام بممرات بديلة.

ومن أبرز المشروعات التي برزت في 2026 مبادرة البحار الأربعة، التي يطرحها معهد New Lines كإطار للربط بين الخليج وبحر قزوين والبحر المتوسط والبحر الأسود عبر سوريا وتركيا، مع التركيز على الطاقة والنقل وإعادة إعمار سوريا.

كما يبرز ممر ترامب للسلام والازدهار الدولي TRIPP في جنوب القوقاز، الذي يستهدف ربط أذربيجان بجيب نخجوان عبر الأراضي الأرمينية، بما يفتح ممرا بريا جديدا بين آسيا وأوروبا.

وتحمل هذه المشروعات أهمية للصين حتى لو لم تكن موجهة ضدها مباشرة؛ لأنها تعني إمكانية ظهور شبكات نقل وطاقة جديدة تقلل من مركزية بعض المسارات التي استثمرت فيها بكين خلال السنوات الماضية.

خطر تراجع النفوذ

هل تواجه الصين خطر تراجع نفوذها؟.. الإجابة ليست بسيطة.

فمن ناحية، تمتلك الصين ميزة يصعب تجاهلها وهى: حجم التجارة والاستثمارات والارتباطات الاقتصادية، بعد أن أصبحت أكبر شريك تجاري للدول العربية لعدة سنوات، كما أن أكثر من 40% من وارداتها النفطية من الدول العربية خلال الأشهر السبعة الأولى من 2025 يؤكد عمق الترابط الاقتصادي.

لكن من ناحية أخرى، فإن النفوذ الاقتصادي لا يتحول تلقائيا إلى قدرة سياسية أو أمنية.

وقد أظهرت الحرب الإيرانية ذلك بوضوح. فقد خلص تحليل Chatham House إلى أن الحرب كشفت محدودية نفوذ بكين، وأن الصين لم تكن قادرة على لعب دور الوسيط الفعال بين أطراف الصراع، رغم علاقاتها الاقتصادية والسياسية الواسعة.

وهذه هي المعضلة الأساسية التي تواجه السياسة الصينية:

كلما زادت مصالح الصين في الشرق الأوسط، زادت حاجتها إلى بيئة مستقرة لحماية تلك المصالح، لكن كلما زاد انخراطها الأمني، زادت التكاليف والمخاطر التي تحاول بكين تجنبها.

أزمة هرمز وإعادة الحسابات

اللافت في التطورات الأخيرة أن الصين بدأت تتعامل مع الأزمة بصورة عملية.

فبدلا من الدخول في مواجهة عسكرية لحماية السفن، اتجهت شركات الشحن الصينية إلى تغيير طرق الملاحة واستخدام عمليات النقل من سفينة إلى أخرى والبحث عن موانئ بديلة.

كما دفعت اضطرابات الطاقة بكين إلى تعزيز مخزوناتها الاستراتيجية وتوسيع الاعتماد على الإنتاج المحلي ومصادر الطاقة البديلة.

وتشير مراكز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن الصين، رغم كونها أكبر مستورد للنفط والغاز، لم تضطر حتى الآن إلى تطبيق إجراءات واسعة للحد من الطلب، مستفيدة من مزيج من المخزونات الاستراتيجية والإنتاج المحلي والتحول التدريجي في منظومة الطاقة.

وبذلك فإن الرد الصيني لا يتجه بالضرورة نحو عسكرة المنطقة، وإنما نحو تقليل قابلية الاقتصاد الصيني للتأثر بالأزمات الإقليمية.

محاولة لتقليص «مخاطر الشرق الأوسط»

من أهم التحولات طويلة الأجل في الاستراتيجية الصينية السعي إلى تقليل الاعتماد على النفط والغاز.

فالصين تستثمر بكثافة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والسيارات الكهربائية والبطاريات، وهي قطاعات يمكن أن تخفف تدريجيا من حساسية الاقتصاد الصيني تجاه تقلبات أسواق النفط.

لكن هذا التحول يحتاج إلى وقت طويل.

فالبيانات تؤكد أن الصين لا تزال أكبر مستورد للنفط الخام، كما أن أزمة هرمز أثرت بالفعل في وارداتها وأسعار الطاقة خلال 2026.

لذلك لن يؤدي التحول الأخضر إلى إنهاء أهمية الشرق الأوسط بالنسبة للصين في المستقبل المنظور، لكنه يمكن أن يحد من المخاطر تدريجيا.

ماذا تريد الصين من الشرق الأوسط؟

يمكن تلخيص المصالح الصينية الرئيسية في المنطقة في سبعة أهداف:

  1. تأمين إمدادات الطاقة بأسعار ومسارات مستقرة.
  2. حماية طرق التجارة بين الصين وأوروبا وإفريقيا.
  3. توسيع الأسواق أمام الشركات الصينية.
  4. توطين جزء من سلاسل الإنتاج خارج الصين.
  5. توسيع البنية التكنولوجية الصينية في الأسواق الإقليمية.
  6. تعزيز الحضور الدبلوماسي دون الدخول في تحالفات عسكرية مكلفة.
  7. موازنة النفوذ الأمريكي دون الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن.

وهذه الأهداف تفسر لماذا تحرص بكين على علاقات متوازنة مع السعودية وإيران والإمارات ومصر وتركيا وإسرائيل وغيرها من الأطراف، حتى عندما تكون هذه الأطراف في حالة صراع أو تنافس.

وماذا تريد دول الشرق الأوسط من الصين؟

في المقابل، لا تنظر دول المنطقة إلى الصين باعتبارها مجرد مستثمر أو مشتر للنفط.

فهناك رغبة متزايدة في الاستفادة من الصين في:

  • التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
  • البنية التحتية.
  • الطاقة المتجددة.
  • السيارات الكهربائية.
  • التصنيع.
  • المناطق الصناعية.
  • التجارة مع آسيا.
  • تنويع مصادر التسليح والتكنولوجيا.
  • توفير هامش مناورة أكبر في العلاقات الدولية.

وهنا تلتقي المصالح الصينية مع رغبة دول المنطقة في تنويع الشركاء وعدم الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة أو أي قوة أخرى.

هل الصين بديلا للولايات المتحدة؟

رغم تصاعد الدور الصيني، سيكون من الخطأ اعتبار بكين بديلا جاهزا لواشنطن في الشرق الأوسط.

فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك شبكة واسعة من القواعد والقوات والقدرات البحرية والجوية، إلى جانب تحالفات أمنية ممتدة مع دول الخليج وإسرائيل.

أما الصين، فوجودها العسكري المباشر محدود، ولا تقدم ضمانات دفاعية رسمية شبيهة بتلك التي توفرها الولايات المتحدة.

وتشير تحليلات حديثة إلى أن الحرب الإيرانية لم تدفع الصين إلى محاولة الحلول محل الولايات المتحدة باعتبارها الضامن الأمني للخليج، وإنما دفعتها إلى إعادة التفكير في كيفية حماية مصالحها في ظل تغير البيئة الأمنية.

ومن ثم، فإن السيناريو الأكثر ترجيحا ليس «الصين بدلا من أمريكا» وإنما «الصين إلى جانب أمريكا وشركاء آخرين في نظام أكثر تعددية».

مستقبل الحضور الصيني.. أمن محدود دون عسكرة

خلال السنوات المقبلة، من المرجح أن تتحرك الصين في الشرق الأوسط على أربعة مسارات متوازية:

أولا: زيادة التحوط في مجال الطاقة.
وذلك عبر تنويع مصادر الاستيراد، وزيادة المخزونات الاستراتيجية، وتوسيع الإنتاج المحلي والطاقة المتجددة.

ثانيا: تعزيز الأمن البحري بصورة محدودة.
ليس عبر إنشاء تحالفات عسكرية، وإنما من خلال حماية السفن، وتطوير قدرات الإجلاء والإنقاذ، وزيادة التعاون البحري، والاستفادة من القواعد اللوجستية.

ثالثا: توسيع الدبلوماسية.
ومن المرجح أن تستمر بكين في استخدام الوساطة والحوار كأداة أقل تكلفة من التدخل العسكري، مستفيدة من علاقاتها المتزامنة مع الخصوم.

رابعا: إعادة تشكيل الاستثمارات.
ستصبح الموانئ والمناطق الصناعية ومراكز البيانات والطاقة المتجددة والممرات البرية أكثر أهمية من المشروعات التي تعتمد على مسار بحري واحد معرض للخطر.

السيناريو الأخطر..

وإذا ظلت أزمات هرمز والبحر الأحمر مؤقتة، فإن الصين تستطيع التعامل معها عبر المخزونات والممرات البديلة وإعادة توجيه السفن.

أما إذا تحولت هذه الأزمات إلى وضع طويل الأمد، فقد تواجه بكين معضلة استراتيجية حقيقية.

فاستمرار إغلاق أو اضطراب مضيق هرمز سيؤثر على الصين مباشرة، خاصة أن معظم النفط الذي يمر عبره يتجه إلى آسيا. وتقدر وكالة الطاقة الدولية أن نحو 80% من النفط الذي يمر عبر المضيق يتجه إلى الأسواق الآسيوية.

كما أن أزمة طويلة الأمد قد تفرض على الصين تطوير قدرات أكبر لحماية سفنها ومواطنيها واستثماراتها، وربما توسيع وجودها البحري في المحيط الهندي والبحر الأحمر.

لكن ذلك سيظل، على الأرجح، توسعا وظيفيا لا تحولا إلى نموذج أمريكي كامل للانتشار العسكري.

.. وباختصار

تكشف التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط خلال 2026 عن تحول مهم في علاقة الصين بالمنطقة.

فقد نجحت بكين خلال العقد الماضي في بناء نفوذ اقتصادي واسع من دون تحمل تكاليف أمنية مماثلة، مستفيدة من التجارة والطاقة والاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا، وحافظت في الوقت نفسه على علاقات مع أطراف متنافسة.

لكن الحرب الأمريكية–الإيرانية وأزمة مضيق هرمز والاضطرابات في البحر الأحمر أظهرت أن النفوذ الاقتصادي له حدود عندما تصبح طرق التجارة والطاقة نفسها مهددة.

ولهذا لا يبدو أن الصين تتجه إلى الانسحاب من الشرق الأوسط، بل إلى إعادة هندسة وجودها.

والاتجاه الأرجح هو انتقال بكين من نموذج يقوم على «الاقتصاد أولا والأمن في الخلفية» إلى نموذج أكثر توازنا يجمع بين الاقتصاد والدبلوماسية والتحوط الأمني المحدود.

ومن هنا فإن مستقبل الدور الصيني لن يتحدد فقط بحجم الاستثمارات أو الصفقات التجارية، وإنما بقدرة بكين على الإجابة عن سؤال أكثر تعقيدا:

كيف تحمي مصالح اقتصادية أصبحت ضخمة في منطقة مضطربة، من دون أن تتحول هي نفسها إلى قوة أمنية تتحمل أعباء الصراعات التي حاولت طوال عقود الابتعاد عنها؟

وتشير المعطيات الراهنة إلى أن الصين لا تزال تفضل الإجابة عن هذا السؤال عبر تنويع مصادر الطاقة، وتغيير مسارات التجارة، وتوسيع الدبلوماسية، وتطوير الشراكات التكنولوجية، وزيادة قدراتها البحرية بصورة محدودة، بدلا من الدخول في سباق قواعد وتحالفات عسكرية.

وبذلك سيظل الشرق الأوسط جبهة اقتصادية واستراتيجية مهمة للصين، لكنه لن يتحول في المدى المنظور إلى المسرح الأول لاستراتيجيتها العالمية؛ إذ ستبقى المنافسة مع الولايات المتحدة في المحيطين الهندي والهادئ وقضية تايوان في صدارة الحسابات الاستراتيجية الصينية.

……………………………………………………………………………………

أبرز مصادر التقرير: وكالة الطاقة الدولية IEA، إدارة معلومات الطاقة الأمريكية EIA، وزارة الخارجية الصينية، مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS، تشاتام هاوس، وبيانات الجمارك الصينية الرسمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى