نهى سعيد تكتب: « بريد إلهي مفتوح ».. قلب تعلّم الرضا والشكر في مدرسة الفقد

تقييم المستخدمون: 0.7 ( 1 أصوات)

بيان

حكت لي صديقة:
“أختي لم تكن مجرد أخت… كانت كل شيء. كنتُ أراها نورًا في زحمة الأيام، وسكنًا في لحظات الضياع، ووجهًا يبتسم للحياة حين تعبس في وجهي.”

وفجأةً، اختفى هذا الوجه. رحلت أختها الكبرى عن الحياة، ولم تترك خلفها سوى فراغٍ مؤلم ووحشة لا تُحتمل. فقدت الرغبة في الكتابة، في السفر، في الحديث، بل في الحياة ذاتها.

لكنها لم ترحل تمامًا… فقد تركت لها هدية سماوية: ابنيها، بنتًا وولدًا، أصبحا فيما بعد بمثابة سلوى ورحمة، يذكّرانها كل يوم بشبهها، بطريقتها، وحتى بصوت ضحكتها. شعرت وكأن أختها تركت لها جزءًا منها، ليكونا ظلًّا لذكراها، وأن الله حين أخذ… أعطى أيضًا.

وفي أحد الأيام، اتصلت بها مديرتها، ونصحتها بالعودة إلى العمل. كانت تذهب بجسدها فقط، لكن قلبها ظلّ حبيس الذكرى، عاجزًا عن التماسك أو النهوض.

حتى جاء يومٌ كُلِّفت فيه بمهمة ميدانية لإعداد تقرير صحفي من إحدى الدول الإفريقية الفقيرة. لم تكن متحمّسة، لكن السفر بدا كنوعٍ من الهروب المؤقّت. وافقت، وهي تحمل الحزن معها في حقيبتها، ودمعةً ساكنة في زاوية القلب.

وهناك… كانت المفاجأة.

لم تكن الرحلة مجرد مهمة عمل، بل كانت يقظة إنسانية أعادت ترتيب أولوياتها في الحياة:
أحياءٌ تفتقر لأبسط مقومات البقاء، أسرٌ تعيش بلا كهرباء، بلا مياه نظيفة، بلا دواء.
رأت أطفالًا حفاة، مرضى بلا أمل، وأمًّا تُطعِم أبناءها بما تجود به الأرض اليابسة.

كل مشهد كان رسالة، وكل وجه كان مرآةً تُعيد إليها وعيها بقيمة ما تملك.
ووسط هذا العناء، نظرت إلى حزنها، فبدا لها صغيرًا، باهتًا، لا يُقارن بشيء.
أدركت أن النِعَم لا تُقاس بما نملكه، بل بقدرتنا على شكرها،
وأن الرضا بالله وحده هو المعجزة التي تُضيء القلب مهما أظلمت الظروف.

وهنا فهمت الرسالة الربانية: إنه رغم إنها فقدت أختها، إلا أنها تعيش في نِعَمٍ لا تُعد ولا تُحصى…
وإن عليها أن تنظر للموجود قبل المفقود.

وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ” (النحل: 18)

عادت من رحلتها مختلفة. صامتة أكثر، لكن أكثر قربًا من الله… لكن الابتلاء لم ينتهِ بعد.

وفي العام نفسه… جاء الاختبار الثاني.

في ليلةٍ هادئة، شعرت ابنتها الوحيدة “مريم” بضيقٍ في التنفس بعد دخول جسمٍ غريب إلى أنفها. نُقِلَت على الفور إلى المستشفى، وكان التشخيص صعبًا:
“الوضع خطير، ويهدّد حياتها. لا بد من التدخل الفوري.”

في لحظات الانتظار، كانت تدعو بقلبٍ يرجف، وتُردّد بين نفسها:
“اللهم لا تُرعب قلبي على ابنتي… سلّمها لي بسلامك.”
تملّكها الخوف، لكنها تمسكت بخيط الرجاء في رحمة الله.

أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ. (النمل: 62)

خرجت مريم من العملية بسلام، وتعافت بعد ساعاتٍ ثقيلة، ومعها تعافت أمٌّ أرهقها الاحتمال، وكاد يقصمها الخوف.

وحين عادوا إلى المنزل، التفتت إليها والدتها وقالت بصوتٍ لا يُنسى:
“شاهدتِ كيف أنقذ الله ابنتكِ؟ نعم، أخذ منّا أختك، لكنه لم يتركنا وحدنا… هذا ابتلاء، لكنه مغموس بالرحمة… الرضا هو طريق النجاة.”

ومنذ ذلك الوقت، عرفت صاحبة القصة أن الله قد يُنقص شيئًا من دنيانا، لكنه لا يُنقص رحمته.
وأن كل ما نحب من خلق الله جميل، لكنه ليس أبديًا. وعلى الإنسان أن يرضى.
والرضا لا يعني ألا نحزن، بل أن نُسلّم بأن ما أراده الله لنا… هو الخير بعينه، حتى إن لم نفهمه الآن.

وهكذا نصل إلى نهاية قصتنا اليوم…
“إن كانت لديك رسالة قلبية، لحظة نورٍ من الله وسط ظلمة، أو قصة شعرتَ أنها جاءت من السماء مباشرة إرسالها لي… لعلها تكون نورًا لقلبٍ آخر ينتظر الهداية أو الطمأنينة.”

في انتظار رسائلكم الملهمة على البريد الإلكتروني: nohasaid36@gmail.com

تحياتي إليكم، وإلى لقاءٍ جديد نجدد فيه الإيمان واليقين، مع “بريد إلهي مفتوح”.

طالع المزيد:

زر الذهاب إلى الأعلى