خطة ترامب – نتنياهو: إعادة إنتاج أوسلو بثوب جديد
كتب: المحرر السياسى
كشفت شبكة “CNN” جانبا مما يدور بين المسؤولين الإسرائيليين والأمريكيين المجتمعون فى واشنطن خلال الساعات القليلة الماضية، معلنة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سيحاول إدخال تعديلات على الخطة الأمريكية بشأن غزة خلال لقائه المرتقب مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وكان ترامب قد صرح قبل هذا اللقاء قائلاً إنه تلقى ردودًا إيجابية جدًا من الجانبين الإسرائيلي والعربي بشأن الخطة المقترحة لتحقيق السلام في قطاع غزة.
على أرض الواقع
لكن على أرض الواقع، يبدو أن نتنياهو لم يوافق رسميًا على هذه الخطة بعد.
الرئيس ترامب أوضح في تصريحات عاجلة أن جميع الأطراف ترغب في التوصل إلى اتفاق، معبرًا عن أمله في أن يتم إنجاز ذلك خلال لقائه مع نتنياهو.
في المقابل، كشفت مصادر لـCNN أن هناك تحفظات إسرائيلية على بعض بنود الخطة، لا سيما ما يتعلق بدور السلطة الفلسطينية، حيث لا ترغب الحكومة الإسرائيلية في إشراك السلطة في إدارة قطاع غزة.
بنود الخطة
ومن جهة أخرى، نشرت صحيفة واشنطن بوست تقريرًا يسلط الضوء على ملامح ما يُعرف بـ”خطة ترامب للسلام”، والتي تتضمن 21 بندًا لإنهاء الحرب في غزة.
الخطة، وفق الصحيفة، تبدأ بوقف فوري لإطلاق النار، وتجميد خطوط المواجهة، بالإضافة إلى إطلاق سراح جميع الأسرى الإسرائيليين وتسليم جثث القتلى خلال 48 ساعة.
وتشمل البنود كذلك:
-
نزع سلاح حماس من الأسلحة الهجومية.
-
العفو العام عن عناصر حماس الذين يلتزمون بالتعايش السلمي.
-
توفير ممرات آمنة للراغبين في مغادرة القطاع.
-
تبادل للأسرى يشمل إطلاق سراح 250 أسيرًا فلسطينيًا مقابل كل أسير إسرائيلي، بالإضافة إلى تسليم جثامين 15 فلسطينيًا مقابل كل جثة إسرائيلية.
وتضمنت الخطة أيضًا بندًا حول إعادة إعمار غزة، يتم بإشراف أممي ودولي، دون تدخل من إسرائيل أو حماس، وكذلك إنشاء إدارة فلسطينية مؤقتة تضم “كفاءات فلسطينية” وخبراء دوليين، تتولى إدارة الشؤون اليومية في القطاع.
وفي الجانب الأمني، تقترح الخطة تشكيل قوة دولية مؤقتة تُنشر فورًا في غزة، على أن تتسلم تدريجيًا المهام الأمنية من قوات الاحتلال الإسرائيلي، التي يُفترض أن تنسحب تدريجيًا، مع إبقاء وجود عسكري محدود على حدود القطاع.
وتنص الخطة على التزام إسرائيل بعدم احتلال أو ضم غزة، وعدم شن هجمات على دولة قطر، وتهيئة الأجواء لإقامة دولة فلسطينية مستقبلية، بعد تحقيق الإصلاحات والتنمية اللازمة، وإطلاق مفاوضات سياسية جديدة برعاية الولايات المتحدة.
“الإصلاح” في السياق الفلسطيني
لكن الخبراء طرحوا سؤلا بشأن السلطة الفلسطينية، والدور الذى يمكن أن تلعبه فى اليوم التالى للحرب بعد إجراء إصلاحات داخلية، والسؤال هو: ما معنى “الإصلاح” في السياق الفلسطيني؟
هل المقصود به إجراء انتخابات حرة وبناء نظام ديمقراطي يعكس إرادة الشعب؟
أم أن “الإصلاح” المطلوب هو أن تركز السلطة الفلسطينية كل جهودها على تلبية المطالب الأمنية الإسرائيلية فقط؟
الواقع يشير إلى أن ما يُطرح على أنه “إصلاح” هو محاولة لتجريد الفلسطينيين من أدوات مقاومتهم – سواء كانت مسلحة أو سلمية – تحت غطاء تحسين الإدارة أو التهدئة.
خطورة المرحلة
لكن الأخطر الآن هو ما يُتوقع أن يقوم به نتنياهو خلال الساعات القادمة، وقد ينسف كل المساعي الجارية.
فالولايات المتحدة، رغم قدرتها على الضغط لوقف العدوان، لم تتخذ قرارًا حاسمًا حتى الآن لإجبار إسرائيل على وقف الحرب أو التهجير المستمر لسكان غزة.
مدينة غزة التاريخية، التي يعود تاريخها إلى أكثر من 5000 عام – أقدم بكثير من عمر الولايات المتحدة نفسها – تُدمر حيًا تلو الآخر، وسكانها يُهجّرون بشكل منهجي.
إذا كانت هناك اتفاقات حقيقية، فلماذا لا يتم وقف عمليات الهدم والتهجير هذه فورًا؟
الوثائق والمناورات السياسية
من الضروري أن ننتظر ونطّلع على الوثيقة الرسمية للمبادرة الجديدة، لا أن نعتمد على تسريبات الصحف أو تصريحات سياسية فضفاضة، سواء من ترامب أو من غيره.
فكثير من التصريحات، خصوصًا من الرئيس الأمريكي السابق ترامب، تتسم بالمبالغة والانفعالية، وليست دائمًا قابلة للتطبيق أو جادة.
خطة ترامب أو خطة نتنياهو؟
ما يُعرض اليوم باسم “خطة ترامب” في الحقيقة هو نسخة معدّلة من خطة قديمة طرحها نتنياهو سابقًا، وتمت الموافقة عليها من قبل المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر.
هذه الخطة تتضمن:
-
الإفراج عن كل الأسرى الإسرائيليين خلال 48 ساعة من وقف إطلاق النار.
-
انسحاب إسرائيلي تدريجي وليس شاملاً من غزة، مع احتفاظ إسرائيل بحرية التحرك الأمني الكامل في القطاع.
-
إقصاء السلطة الفلسطينية عن لعب دور رئيسي في إدارة غزة، والاكتفاء بدور رمزي لها.
-
إنشاء إدارة انتقالية يشرف عليها خبراء دوليون مثل توني بلير، بإشراف أمريكي مباشر.
-
تمتد المرحلة الانتقالية بين 3 إلى 5 سنوات، دون أي ضمانات لقيام دولة فلسطينية.
الخطير في هذه البنود أن إسرائيل خلال هذه السنوات الخمس، ستفرض وقائع جديدة على الأرض كما فعلت سابقًا في الضفة الغربية.
أما العرب، فسيُطلب منهم تمويل إعادة إعمار ما دمره الاحتلال، بتكاليف قد تصل إلى 200 مليار دولار، بينما لا يحصل الفلسطينيون على السيادة أو الدولة!
قراءة نقدية للخطة
هذه الخطة، كما وصفها الضيوف، “ملغمة” وتعيد إنتاج تجربة اتفاق أوسلو الكارثية، التي استخدمتها إسرائيل لإخماد الانتفاضة الأولى، دون أن تنهي الاحتلال أو توقف الاستيطان.
اليوم، تكرر إسرائيل نفس السيناريو، مستغلة عزلة دولية تعاني منها، لمحاولة الالتفاف على حالة التضامن العالمي الواسعة مع الفلسطينيين.
الرد الفلسطيني المطلوب
إذا أرادت الفصائل الفلسطينية، بما في ذلك السلطة، أن تُفشل مخطط فصل غزة عن الضفة، فإن الطريق هو العودة إلى اتفاق “بكين”، والالتزام بتشكيل حكومة وحدة وطنية لإدارة الضفة والقطاع معًا، ورفض أي إدارة دولية منفصلة لغزة.
الوقت ليس مناسبًا للخلافات الداخلية، بل لتوحيد الموقف الفلسطيني في مواجهة هذه الخطة.
والخلاصة هى أن هذه خطة أمريكية – إسرائيلية خالصة، الهدف منها كسب الوقت، وتقويض الحلم الفلسطيني بدولة موحدة.
والمطلوب هو موقف فلسطيني موحد، يعيد الاعتبار للمشروع الوطني ويمنع تكريس الانقسام.





