أحمد عاطف آدم يكتب: شفرة المراهقة بين الاجتياح والاحتواء (١٣)

بيان

أيها الآباء والأمهات، هنا يكمن العمل الصعب الذي يظهر ثمره في ابنك. نعم، يمكنك أن تقدم لأولادك المباديء التوجيهية ومن ضمنها عدم الكشف عن المعلومات الشخصية أو العائلية للغرباء على الإنترنت، وستكون ذكيًّا وواعيًا لتقوم بذلك – لكن توقعاتك الإيجابية والثقة بابنك أو ابنتك وباختياره لما هو صحيح، سينقله أبعد من أيّة قواعد مفروضة، عندما يحين وقت استخدام الإنترنت، إذا كنت غرست فيه أو فيها قسم ولاء عائلتك – بطريقة صحيّة ومتوازنة – وعشت هذه القيم أمامهم، ستكون احتمالية استيعابهم لها أكبر مما لو قمت بسحب قائمة تلك القيم من جيبك الخلفي، وبدأت بوعظ ابنك المراهق – ( في حين أنك تمارس النقيض منها سرًّا بحياتك الخاصة ).

دعني أُدرِج أيضًا ملاحظة بشأن الألعاب على الإنترنت، مع مجموعة من الناس،، وأنا لا أعرف الكثير عن هذا المجال – لأنني لا ألعب ألعابًا على الإنترنت، ولا أحد من أولادي الخمسة كان يمارسها، لكن لدينا صديق جيد يلعبها مع ابنته المراهقة بصحبة مجموعة من الناس المشابهين، ولهم نفس الشخصية، مدة ساعتين في كلّ ليلة جمعة، لأن هذا الوقت هو المخصص لهما “كأب وابنته” للعب مع مجموعة من عشرة أصدقاء، على موقع مراقب بشكلِِ جيد، حيث اتّفقت مجموعة من الناس المختارة على القوانين، وعلى رأسها نوع اللغة التي يمكن استخدامها أو عدم استخدامها، التعليقات فيما بينهم، وكذلك التصرفات المقبولة وغير المقبولة.

وإذا خرج أيّ شخص عن الحدود المتفق عليها، يُمنع عن اللعب مرة أخرى.

وهناك العديد من المراهقين البارعين في الإنترنت، ممن يحبّون عالم الألعاب التفاعلية، وينجذبون للعب مع غيرهم من الناس عبر تلك الوسيلة. وقد يكون عالمًا معقدًا أو مستهلكًا للوقت، لكنه ينعش العديد من الأولاد. ومثل أي شيء آخر إذا تمّ اللعب على مواقع آمنة حيث يتمّ مراقبة اللعبة، وإخراج المخالفين منها، قد يكون وقتًا ممتعًا ومريحًا ( ولاسيما للأولاد المنعزلين وغير القادرين على تكوين صداقات في المدرسة ) ولكن كما هو الحال مع كل شيء – الإفراط أمر غير جيد، فاللعب مرة أو مرتين في الأسبوع ولبضع ساعات من أجل الاسترخاء المطلوب، يعد أمرًا جيداً، ولكن اللعب كل ليلة والدخول إلى عالم الألعاب كثيرًا، بحيث تعيش في هذا العالم بذهنك طوال الوقت – هو أمر غير مستحب – وقد ينشأ عنه شرخ عاطفي بين العائلات ومع الأصدقاء، واعتمادية نفسية على عالم غير حقيقي.

الإنترنت باقِِ. لذا علِّم أبنائك أن يكونوا واعين لكل ما يتعلق به، شجعهم على تحقيق التوازن في جميع الأمور، وتيقّن بأنك غير قادر على التحكّم بكل ما يدور في حياة أبنائك.

تذكر فقط أن كلماتك وتشجيعك وإيمانك وثقتك به/ بها، هو الأهم بالنسبة له كمراهق. وسيرتقي ابنك أو ابنتك إلى مستوى توقعاتك.

انتهى الاقتباس الثالث عشر بعنوان: التوازن أمر هام في جميع الأمور، من كتاب “مراهق جديد في خمسة أيام” لعالم النفس الرائد د. كيفن ليمان.

وبكل تأكيد عزيزي القارىء، فإن قوة العلاقة التي تربط بيننا وبين أبنائنا داخل الأسرة، وتقديم (القدوة الحسنة) من خلال تصرفاتنا وسلوكياتنا اليومية أمامهم، هو بيت القصيد، ويعد من أهم أدوات التمكين والتأثير الإيجابي،، ومما لا يخفى علينا أيضًا أنه بمجتمعنا الشرقي الذي نعيش فيه توجد فرص هائلة للتلاحم والاندماج العائلي أكثر من المجتمعات الغربية، التي تغلب عليها أنماط الجدية والصرامة الحياتية – نظرًا لاهتمامنا بالظهور المعتاد بالمناسبات، وتقديم الواجبات الاجتماعية في السراء والضراء،، وهذا الأمر يكون له فعل السحر في اقتناع وارتباط الأطفال والمراهقين وجدانيًا بقيمة وجودنا كآباء وأمهات في عالمهم، وما يكتسبونه بفضلنا من عادات تفاعلية تمنحهم القدرة على التعايش بتناغم ممتع وجذاب، يميزنا عن غيرنا.

لذا يجب استغلال الروابط والأجواء الحميمية المسيطرة على علاقتنا بأبنائنا، واصطحابهم منذ نعومة أظفارهم إلى أي مكان نذهب إليه، ومصادقتهم وزرع القيم النبيلة في كياناتهم الوليدة.. من خلال تلك اللحمة الفريدة نستطيع حثهم ودفعهم على ترسيم حدودهم الاجتماعية مع الآخرين، لاسيما مع تعدد قنوات الاتصال بالغرباء عبر الشبكة العنكبوتية وتطبيقاتها المختلفة، التي تتيح بطبيعتها المتشابكة اتصاليًا المزيد والمزيد من الأصدقاء غير المعروفين – أو حتى المعروفين لهم ولنا – مع الوضع في الاعتبار أنه يجب التأكيد على قاعدة أساسية، وهي:《لا صوت يعلو فوق صوت الخصوصية المعلوماتية، فيما يتعلق بأخبارنا الدقيقة وأخطائنا، ومشاكلنا وهمومنا.. إلخ》..

ومن أهم مدخلات الإقناع على الإطلاق لتقوية علاقتنا بأبنائنا وتوثيقها أكثر وأكثر، يجب أن تكون إرادة التقرب من الله لديهم وممارسة الطاعات، والبعد عن المنكرات بمثابة الشغل الشاغل لفلذات أكبادنا – إذا نجحنا في ذلك سيتبعوننا ويشرحوا صدورنا باستقامتهم واستواء بنائهم النفسي المرتكز على الاستقواء بالله.

ولعل أكثر ما لفت نظري في نصائح عالم النفس الفذ دكتور “ليمان” بالاقتباس الأخير، من كتابه (مراهق جديدفي خمسة أيام)، قوله: “الإنترنت باقِِ – لذا: 《علِّم أبنائك أن يكونوا واعين لكل ما يتعلق به، شجعهم على تحقيق التوازن في جميع الأمور》.

هذا التوازن المنشود عزيزي القاريء: بكل تأكيد لن يتحقق – إلا بضبط كفتي الميزان، بين العوز الفطري للتطور المستمر، باستخدام أوجه التكنولوجيا المختلفة وتطبيقاتها العديدة، وبين إدراك مخاطرها المحدقة بنا وبأبنائنا – وأنا لا أؤمن على الإطلاق بوجود شخص منعزل تمامًا لا يمكنه تطوير قدراته الاتصالية، منذ ولادته وحتى فناءه، طالما هناك أهل يعملون على دمجه وإثقال قدراته وإلهامه.

اقرأ أيضا للكاتب:

 

زر الذهاب إلى الأعلى