رحلة الملك من ميدانه الشهير إلى مقره الأخير بالمتحف الكبير: رمسيس الثانى

سردية يكتبها: عاطف عبد الغنى

لا يعرف كثيرون رحلة تمثال الملك الفرعوني الشهير رمسيس الثاني، منذ اكتشافه الأول وتنصيبه على قاعدة في أحد أكبر وأقدم ميادين القاهرة الذي اتخذ اسمه لاحقًا ميدان رمسيس، وصولًا إلى مقره الحالي في بهو المتحف المصري الكبير.

سيرة الميدان

قبل أن يصبح ميدان رمسيس رمزًا للحياة اليومية في القاهرة، كان المكان قرية صغيرة تُعرف باسم “أم دنين”. بعد فتح مصر، اتخذ منها عمرو بن العاص موقعًا للتمركز، وأقام بها مسجدًا حمل لاحقًا أسماء متعددة، منها جامع النفس والمقس.
وفي العصر الفاطمي، أعيد بناء المسجد، لكن الحملة الفرنسية هدمته في نهاية القرن الثامن عشر، ليُقام مكانه مسجد الفتح الذي لا يزال قائمًا حتى اليوم، شاهدًا على أولى ملامح التحول العمراني في المنطقة.

عهد محمد علي

في النصف الأول من القرن التاسع عشر، قرر محمد علي باشا تحويل المنطقة إلى متنفس لسكان العاصمة، فغدت ساحة مفتوحة أشبه بحديقة عامة، تمهيدًا لمرحلة أكثر حيوية مع دخول السكك الحديدية إلى مصر.

عام 1851، وُقعت اتفاقية إنشاء أول خط سكك حديدية يربط القاهرة بالإسكندرية، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الميدان.
وبُنيت محطة مصر عام 1853 على الطراز العربي الإسلامي بتصميم المعماري البريطاني أدون باتر، لتصبح مع مرور الزمن رمزًا عمرانيًا وتاريخيًا وملتقى لآلاف المصريين القادمين من مختلف المحافظات.
لاحقًا، تأسس متحف السكك الحديدية عام 1932 ليحكي قصة النقل في مصر، ويضيف للمكان بعدًا ثقافيًا وحضاريًا جديدًا.

رحلة تمثال الملك

ومن الميدان إلى التمثال رحلة أخرى امتدت لأكثر من نصف قرن، تكمل الصورة وتجسد مسيرة القاهرة الحديثة نفسها: من صخب المدينة وازدحامها إلى استعادة رونق التاريخ المصري العريق في أبهى صوره.

أُكتشف تمثال رمسيس الثاني في معبد بتانيس القديمة بمحافظة الشرقية في القرن التاسع عشر، ويُعد أحد أبرز النماذج النحتية التي تمثل هيبة الملوك الفراعنة.


وفي عام 1955، أمر الرئيس جمال عبد الناصر بنقله إلى قلب القاهرة، ليُقام في الميدان الذي كان يُعرف آنذاك باسم باب الحديد أمام محطة السكك الحديدية المركزية.
ومنذ تلك اللحظة، أصبح التمثال رمزًا لعظمة مصر القديمة في قلب العاصمة الحديثة، وارتبط اسمه بالميدان إلى حدّ أن المصريين صاروا يقولون ببساطة “ميدان رمسيس”.

رمسيس الثانى فى ميدانه الشهير
رمسيس الثانى فى ميدانه الشهير

رمزية حضارية وسط زحام المدينة

ظل التمثال، بارتفاعه الذي تجاوز 12 مترًا ووزنه الذي قارب 82 طنًا، شامخًا وسط الضوضاء وعوادم السيارات، شاهداً على التحولات السياسية والعمرانية والاجتماعية التي عرفتها القاهرة خلال العقود اللاحقة.
لكن مع ازدياد التلوث والاهتزازات الناتجة عن المرور وقطارات السكك الحديدية، بدأت التحذيرات الأثرية تتوالى في التسعينيات بشأن خطر تآكل سطح التمثال وتعرضه للتلف.

رمسيس وسط التلوث والضجيج

قرار النقل.. بين الجدل والحلم

عام 2006، اتخذت الحكومة قرارًا مثيرًا للجدل بنقل التمثال من الميدان إلى منطقة الأهرامات، في عملية وُصفت حينها بـ”الأضخم والأدق” في تاريخ الآثار المصرية الحديثة.
ورغم المخاوف من فقدان الميدان لأبرز معالمه، استقبل المصريون المشهد بقدر كبير من الفخر، حين رأوا التمثال يسير على عربة ضخمة وسط حشود تهتف “يحيا الملك رمسيس”.
العملية التي استغرقت ساعات طويلة تابعها العالم بأكمله، بوصفها ملحمة هندسية وإنسانية تعكس تقدير المصريين لإرثهم الحضاري.

 

  عودة الملك إلى عرشه

في أغسطس 2018، اكتملت رحلة الملك عندما نُقل إلى بهو المتحف المصري الكبير المطل على أهرامات الجيزة.
اليوم يقف التمثال في مكانه الجديد، مضاءً بنور طبيعي يبرز ملامحه المهيبة، يستقبل الزوار كأول ما تقع عليه أعينهم فور دخول المتحف.
ويرى خبراء الآثار أن هذا الموقع الجديد يُعيد للملك مكانته اللائقة كأعظم بناة مصر القديمة، وصاحب أكبر عدد من المعابد والنقوش والتماثيل في التاريخ الفرعوني.

من الميدان إلى المتحف.. دلالات الانتقال

تحمل رحلة التمثال أبعادًا تتجاوز الجانب الأثري؛ فهي قصة تحول رمزي لمصر نفسها: من الضجيج الحديث إلى الهدوء المتحفي، ومن الاستهلاك اليومي للرموز إلى إعادة تقديسها حضاريًا.
فبينما بقي ميدان رمسيس شاهدًا على نبض الحياة المصرية اليومية، صار التمثال اليوم شاهدًا على وعي جديد بأهمية الهوية التاريخية وإدماجها في مستقبل السياحة والثقافة المصرية.

 ذاكرة لا تموت

رغم رحيل التمثال، لم يفقد ميدان رمسيس مكانته كأحد أكثر المواقع حيوية في القاهرة، حيث تلتقي فيه شرايين العاصمة من الشرق والغرب والشمال.
وبقي اسم “رمسيس” علامة راسخة في الوجدان، تمامًا كما بقي التمثال نفسه رمزًا خالدًا للحضارة التي ما زالت تدهش العالم حتى اليوم.

طالع المزيد:

كيفية الوصول إلى المتحف المصري الكبير من رمسيس .. طرق المواصلات المتاحة

زر الذهاب إلى الأعلى