شبراوى خاطر يكتب: الفيروسات العقلية أهم أسلحة حروب “الميم”
بيان
بينما كنت أتابع بعض الأخبار والمعلومات على منصة لينكدإن، صادفت مقال مهم وصادق يمثل محاولة تنوير جادة من الأستاذة الإعلامية “جيرمين عامر” في جريدة الحصاد بعنوان “حرب الميم”.
وهذا موضوع في منتهى الخطورة، لا طالما كتبت عنه بنفسي ولكن تحت عناوبن مختلفة مثل “الفيروسات العقلية” أو “الأفكار المندسة”. وبالطبع كل هذه العناوين تتفق وعنوان “حروب الميم”
ولكن دعوني أشرح قليلاً: ما هو الميم، أو علم الميمات؟
علم الميمات، يمثل النظرية العلمية التي طال انتظارها والتي توحد علم الأحياء وعلم النفس والعلوم المعرفية والتي قد ظهرت من خلال جهود متعددة التخصصات من قبل العلماء في كل تلك المجالات على مدى السنوات الثلاثين الماضية أو نحو ذلك – ولكن يشير عالم الأحياء البريطاني الشهير “ريتشارد داوكنز” بأن تاريخ هذا العلم قد يعود بالفعل إلى عام 1859 وتشارلز داروين، الذي أنتج علمًا جديدًا يسمى علم الميمات، في طيات نظرية النشوء والارتقاء في كتابه الشهير “أصل الأنواع”.
وحيث يقول العلماء بأن علم الميمات الجديد يعتمد على التطور. فإذا كانت نظرية داروين حول تطور الأنواع عن طريق الانتقاء الطبيعي قد غيرت مجال علم الأحياء بشكل كامل. فالآن يقوم العلماء بتطبيق نظرية التطور الحديثة على الطريقة التي يعمل بها العقل، والطريقة التي يتعلم بها الناس وينموون، والطريقة التي تتطور بها الثقافة.
ومن خلال القيام بذلك، فإن مجال علم النفس سوف يتحول في نهاية المطاف من قبل العلماء الذين يبحثون في الميمات كما حدث في علم الأحياء من قبل داروين.
وأعتقد أن الأستاذة “جيرمين عامر” تحاول من خلال دراساتها المتنوعة عن نأثير التطور التكنولوجي خلال العصر الرقمي أن تخبرنا بأنه بالنسبة لأولئك الذين يتوقون إلى فهم أنفسهم، فإن التعلم عن الميمات وفهم أساليب استخدامها وآليات عملها ستمكنهم بأن يكون لديهم ميزة متزايدة في الحياة، خاصة في منع أنفسهم من أن يتم التلاعب بهم أو استغلالهم. إذا فهمت بشكل أفضل كيفية عمل عقلك، فيمكنك التعامل بشكل أفضل خلال عالم يتسم بالتلاعب الدقيق والتأثر الناعم بشكل متزايد.
وفي نفس السياق، لقد كشفت دراسة الميمات عن وجود ما يسمى بفيروسات العقل، ومع أن فيروسات العقل كانت معنا عبر التاريخ، لكنها تتطور وتتغير باستمرار.
إنها أجزاء معدية من ثقافتنا تنتشر بسرعة بين الناس، وتغير أفكارهم وحياتهم في أعقابها. وتشمل فيروسات العقل كل شيء بدءًا من الأمثلة غير الضارة نسبيًا، مثل التنانير القصيرة وقصات الشعر وألوان الموضة المتغيرة مع كل موسم، والنصائح الصحية من كل من هب ودب وأيضا العبارات العامية التي تتسلل داخل عقولنا وعواطفنا من خلال أغاني المهرجانات والمسلسلات، إلى تلك التي تعرقل حياة الناس بشكل خطير، مثل الأفكار التي تروج لها بعض الجماعات والطوائف الدينية المتزمتة، أو المعلومات المضللة التي تنشرها ما يسمى باللجان الإليكترونية أو الذباب الإليكتروني للتفريق بين الشعوب العربية على سبيل المثال، أو بث الشك في نوايا أصحاب القرارات في الدولة أو حتى الأمثال الشعبية المتناقضة.
وهذه الفيروسات تستخدم نفس الأساليب التي يستخدمها الفيروس البيولوجي مثل فيروس كوفيد-19 أو فيروسات الأنفلونزا الموسمية، أو فيروسات الكمبيوتر، مثلما يقوم فيروس الكمبيوتر مايكل أنجلو ببرمجة أجهزة الكمبيوتر مع تعليمات لتدمير بياناتها، يمكن لفيروسات العقل أن تبرمجنا على التفكير والتصرف بطرق مدمرة لحياتنا.
والرؤية الأكثر إثارة للدهشة والأكثر عمقًا في علم الميمات: أن أفكارك ليست دائمًا أفكارك الأصلية. نحن نلتقط الأفكار – نصاب بها، سواء بشكل مباشر من أشخاص آخرين حولنا، ومروجي الإشاعات أو حتى من الإعلانات التي تحاصرنا طوال الوقت وفي كل مكان، أو بشكل غير مباشر من فيروسات العقل مثل لغة الجسد وطرق التعامل في الدراما والسينما.
ومع ذلك لا يبدو أن الناس يحبون فكرة أنهم لا يتحكمون في أفكارهم. ربما يكون إحجام الناس عن النظر في هذه الفكرة هو السبب الرئيسي وراء عدم شهرة الجهد العلمي الذي تم إنجازه حتى الآن في دارسة الميمات.
ومما يزيد المشكلة تعقيدًا هو أنك لا تعرف على الفور ما إذا كنت أُصبت بالفيروس العقلي أم لا، أو ما إذا كانت البرمجة التي تحصل عليها من فيروس عقلي معين ضارة أم مفيدة.
فلم ينضم أحد على الإطلاق إلى طائفة دينية بنية غسل دماغه أو أن يتخذ قرار فوري بالانتحار. أو قد يكون فيروس ليس بضار، عندما أصيب المراهق بيل جيتس بفيروس عقل لاعب البوكر في جامعة هارفارد، هل كان ذلك ضارًا لأنه أبعده عن دراسته؟ أم أنها كانت مفيدة لأنها ساعدته في التأثير على قراره بالانسحاب من الدراسة وبدء شركة ميكروسوفت والتحول إلى ملياردير؟ هكذا يعلق ريتشارد برودي والذي يُعد أحد مبتكري برنامج مايكروسوفت وورد.
ونعود للسؤال الذي تم طرحه في البداية: ما هو الميم؟
“الميم”، كلمة أو لفظ يتناغم مع منطوق مصطلح “الجين” هو لبنة البناء الأساسية للثقافة بنفس الطريقة التي يعتبر بها “الجين” لبنة البناء الأساسية للحياة.
ولمزيد من التوضيح فإن “الميمات” ليست فقط اللبنات الأساسية للثقافة على نطاق واسع – التي تشكل البلدان واللغات والأديان – ولكن أيضًا على نطاق صغير: الميمات هي اللبنات الأساسية لعقلك، وبرمجة “جهاز الكمبيوتر” العقلي الخاص بك.
ولا ينتشر فيروس العقل عن طريق العطس، مثل الأنفلونزا، أو عن طريق الجنس، مثل الإيدز. إنه ليس شيئًا ماديًا. تنتشر فيروسات العقل عن طريق شيء بسيط مثل التواصل. وهي ثمن إحدى الحريات العزيزة علينا: حرية التعبير. كلما زادت الحرية في إجراء أي اتصال، كلما كانت البيئة أكثر ترحيبًا بفيروسات العقل.
أضم صوتي لصوت الإعلامية جيرمين عامر، من أجل التصدي لمقاومة الأوبئة الفكرية التي تعطسها علينا مرضى وحمقى ومغرضي العالم من حولنا، وربما نتحدث لاحقاً عن كيفية التحصين ضد هذه الأويئة في مقال آخر.





