أحمد عاطف آدم يكتب: قانون العمل بين الثقافة والمسؤولية
بيان
مفهوم تشريعات العمل بالأزمنة السابقة لم يكن موجودًا من الأساس، والمجهود المبذول كان نظير أجر زهيد يتقاضاه العامل المسكين آخر اليوم، لتسخيره بكل الوسائل الممكنة – من بينها ممارسات غير قانونية وإهانات ما بين لفظية وجسدية – كذلك فإن الفصل التعسفي كان فصلًا من فصول الظلم في الإقالة، ويحق لصاحب العمل إنهاء خدمة المستخدم بفرمان نافذ، دون أدنى حق للأخير في الاعتراض أو التعويض، وبمرحلة الفوضى الصناعية والحركة العمالية بالقرنين الثامن والتاسع عشر، اكتسبت بيئة العمل مساحة جديدة تحرك خلالها العمال من المزارع إلى المصانع، ليؤدوا مهام إنتاجية جديدة- لكنها لم ترحمهم من وسائل القهر المستخدمة ضدهم، بل تحكم صاحب العمل بلا رحمة لتعظيم أرباحه وبأي شكل، حيث استغل الأطفال لساعات طويلة مقابل أجور لا تذكر، وفي غياب تام لإجراءات السلامة والصحة المهنية، مما أدى لارتفاع معدلات الحوادث آنذاك.. كل ما سبق من مآسي دفع العمال لإنشاء وتنظيم تجمعات أصبحت حركات ثم نقابات عمالية، ضغطت بدورها لأول مرة من أجل المطالبة بتحديد عدد ساعات العمل لتصبح ثمانية وليس أكثر،، من هنا دقت ساعة تنظيم تلك العلاقة المتوترة بين العامل وصاحب العمل حتى وصلت لصيغتها الحالية بزماننا المعاصر.
وعلى ذكر الخلفية المعلوماتية السابقة عن ظروف بيئة العمل قديمًا وتطوراتها الآنية، فإنني أجد نفسي أمام مسئولية مزدوجة، تحتم ضرورة إثراء ثقافة العامل، حول مستجدات تلك التحديثات التي أضيفت لقانون العمل الجديد، المعروف برقم ١٤ لسنة ٢٠٢٥ ودخوله حيز التنفيذ في الأول من سبتمبر الماضي، حيث يعد أكبر تعديل تشريعي منذ عقدين يهدف إلى إحداث توازن عادل بين مصلحة صاحب العمل في زيادة انتاجيته وانجازه من جهة، وكذلك الحفاظ على حقوق العاملين في توفير استقرار وظيفي وبيئة عمل أكثر أماناً من جهة أخرى،، يأتي ضمن أهم بنوده إلغاء استمارة “٦” التي كانت تمثل ضغطًا رهيبًا على العمال، وتهديدًا تعسفيًا بالفصل دون مبررات قانونية، أو وجود خلل وظيفي من جهة العامل يستوجب فصله، وهي تعد ضمن أبرز مكتسبات هذا القانون، بالإضافة لمراعاة الفئات المهمشة لدى أصحاب الأعمال المحدودة، ممن كانوا لا يبرمون لعمالهم عقود، مما يهددهم بالطرد في أي وقت – لكن جاء بتعديلات القانون الجديد الاعتراف صراحة بأن عدم إبرام عقد مكتوب بين العامل وصاحب العمل، يعد في حد ذاته عقد عمل غير محدد المدة، مما اضطر أصحاب تلك المنشآت الغير ملتزمة بتحرير عقود تضمن حقوق العمال، كما تتيح لهم فرصة النظر في تجديد العقود معهم بعد انتهائها من عدمه.. ومن منطلق ما لك وما عليك،، يأتي ضمن التعديلات أن العامل المتغيب عن عمله بدون سبب، ثم تسلم إنذارًا بخطاب موصى عليه بعلم الوصول بعد غيابه عشرة أيام في حالة الغياب المتقطع، وخمسة أيام في حالة الغياب المتتالي – يصبح في حكم المستقيل، وذلك حفاظًا على حالة الالتزام والإنضباط الوظيفي داخل بيئة العمل.
ومن بين أهم التوصيات الجديرة بالذكر أيضًا في قانون العمل الجديد قم ١٤ لسنة ٢٠٢٥، عند إبرام العقود بين العامل وصاحب العمل، التشديد على مراعاة عدم التوقيع على ما يسمى “نموذج تسوية ودية”، لأنه يعني أنك تقر باستلام كافة مستحقاتك وحقوقك العمالية بشكل كامل وبالتراضي، ما يمنعك قانونا من تقديم أي شكوى أو رفع دعوى قضائية للمطالبة بحقوق مستقبلية قد تنشأ عن علاقة العمل،، كذلك لا يجب الموافقة على تحرير عقد جديد محدد المدة بدلًا من المحرر لك سابقًا بغير محدد المدة، لأن ذلك محاولة لتقليص حقوقك المكتسبة وإضعاف استقرارك الوظيفي،، أضف إلى ما سبق بأنك لابد أن ترفض بشكل قاطع التوقيع على “إيصال أمانة على بياض” بحجة ضمان حماية العهدة التي ستكون بحوزتك أثناء العمل – بل إن السجلات الرسمية واستمارات العهدة والمخازن التي توقع عليها عند الاستلام والتسليم، هي الضامن القانوني لحق الشركة، وليس من خلال إيصال أمانة قد يعرضك للمساءلة القانونية بشكل تعسفي،، أخيرًا وليس آخرًا، لا توقع على إقرار حصولك على رصيد إجازاتك أو أنك تقاضيت المقابل النقدي عنه، وذلك على خلاف الحقيقة بالطبع.
في النهاية عزيزي القاريء، أوجه رسالتي لعموم العاملين، وأخص بالذكر الشباب المقبلين على العمل بشركات أو قطاعات محدودة، أو حتى مرموقة، بضرورة أن نكون كيسين وفطنين وملمين بحقوقنا الوظيفية، تلك الثقافة المفقودة والغائبة عن الكثيرين،، أنصح بأن نضمنها بين أولوياتنا المعرفية في الحياة بصفة عامة، وقبل ذهابنا لمقابلة أي صاحب عمل، أو ما ينوب عنه مثل مدير الموارد البشرية، مع احتمالية إمضاء عقود، بأن نقرأ قانون العمل وتحديثاته وفهمه جيدًا قبل التوقيع، حتى لا نندم فيما بعد على شيء،، وفقكم الله شباب مصر وسدد خطاكم.
اقرأ أيضا للكاتب:
– أحمد عاطف آدم يكتب: شفرة المراهقة بين الاجتياح والاحتواء (١٣)





