تصاعد خطر القوميين البيض في أمريكا: خطاب الكراهية يتسلل إلى قلب المشهد السياسي
إعداد: قسم التقارير – موقع بيان
في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة حالة من الاستقطاب الاجتماعي والسياسي غير المسبوق، تكشف تقارير بحثية وأمنية حديثة عن تصاعد خطر حركة القوميين البيض، التي أصبحت تمثل تهديدًا داخليًا متناميًا للأمن القومي والنسيج الاجتماعي الأمريكي.
وتقوم الحركة على فكرة تفوق العرق الأبيض وضرورة الحفاظ على هيمنته الثقافية والسياسية، عبر الترويج لسرديات تعتبر المهاجرين والأقليات والمثليين والنساء العاملات في المجال العام “تهديدًا وجوديًا” لما يسمونه “الهوية البيضاء”.
ويقول الباحث الأمريكي ليونارد زيسكيند في كتابه الدم والسياسة: تاريخ حركة القوميين البيض من الهامش إلى التيار العام، إن الحركة شهدت منذ تسعينيات القرن الماضي تحولًا تدريجيًا من جماعات عنيفة معزولة إلى تيار قادر على التأثير في النقاش السياسي والثقافي الأمريكي.
شبكات متعددة وأذرع دعائية نشطة
لم تعد حركة القوميين البيض كيانًا موحدًا، بل باتت شبكة واسعة من الجماعات والخلايا الصغيرة التي تختلف في التنظيم لكنها تتفق في الأيديولوجيا. ومن أبرزها:
جماعة “باتريوت فرونت” (Patriot Front) التي تُعد من أكثر التنظيمات نشاطًا في توزيع الدعاية العنصرية في الشوارع والجامعات.
النادي الاجتماعي القومي 131 (NSC-131) وشبكة الحرية الآرية، واللتان أشارت إليهما دراسة صادرة عن شبكة GNET البحثية (2024) بوصفهما جزءًا من المنظومة المتطرفة الأكثر نشاطًا شرق الولايات المتحدة.
وتؤكد رابطة مكافحة التشهير (ADL) في تقريرها السنوي أن عام 2020 شهد أكثر من 5100 واقعة دعائية مرتبطة بالتفوق العرقي الأبيض في مختلف الولايات، تضمنت ملصقات ولافتات ومنشورات إلكترونية.
أرقام مقلقة واتجاهات متصاعدة
رغم تراجع عدد الجماعات المتطرفة المسجلة رسميًا، فإن تأثيرها لم يتراجع.
وبحسب مركز القانون الجنوبي للفقر (SPLC)، بلغ عدد الجماعات المتطرفة في الولايات المتحدة 1371 جماعة عام 2024، مقارنة بـ1430 في العام السابق، إلا أن عدد الجماعات القومية البيضاء تحديدًا ارتفع بنسبة 50% خلال عام واحد (من 109 في 2022 إلى 165 في 2023).
وشهدت البلاد واحدة من أبرز حوادث العنف المرتبطة بهذا الفكر في تجمع “وحّدوا اليمين” بمدينة شارلوتسفيل بولاية فيرجينيا عام 2017، الذي ضم عشرات التنظيمات القومية والنازية الجديدة وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى وأثار صدمة وطنية واسعة.
ويشير تقرير للكونغرس الأمريكي إلى أن من أصل 313 جريمة قتل سياسية بين عامي 2009 و2018، كان 76% منها على يد متطرفين بيض.
تجنيد عبر الإنترنت ومخاوف ديموغرافية
يرجع محللون صعود هذه الحركة إلى عدة أسباب؛ أبرزها التحولات الديموغرافية في المجتمع الأمريكي وتزايد نسب الأقليات، إضافة إلى استغلال وسائل التواصل الاجتماعي كمنصات لتجنيد الشباب وتطبيع الخطاب العنصري.
ويؤكد تقرير صادر عن مركز مكافحة التطرف (Counter Extremism Project) أن الجماعات القومية البيضاء تعتمد على نموذج “اللامركزية”، بحيث تعمل في خلايا صغيرة يصعب تتبعها، وتستخدم رموزًا وشعارات بديلة لتجنب الحظر الإلكتروني مثل “الهوية البيضاء” و“التراث الأمريكي”.
استجابات أمنية ومؤسسية
في مواجهة هذا الخطر، أعد معهد ماكين بالتعاون مع مركز التقدم الأمريكي (CAP) وثيقة سياسات بعنوان خارطة طريق لإنهاء العنف القومي الأبيض، تدعو إلى:
تعزيز التنسيق بين وكالات الأمن والاستخبارات.
تحسين جمع البيانات حول جرائم الكراهية.
مراقبة عمليات التجنيد داخل الجيش ومؤسسات الدولة.
وأكدت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية (DHS) في تقريرها لعام 2024 أن العنف المرتبط بالقوميين البيض يمثل التهديد الداخلي الأكثر استمرارية وخطورة على الأمن القومي الأمريكي.
تقييم
يخلص الخبراء إلى أن القومية البيضاء لم تعد حركة صاخبة في الشوارع بقدر ما أصبحت أيديولوجيا زاحفة داخل المجال العام، تتغذى على الاستقطاب السياسي وتستفيد من منصات التواصل الاجتماعي لنشر خطاب الكراهية والتجنيد.
ويرى المحلل الأمني مارك بوتوك من مركز SPLC أن “الخطر الحقيقي اليوم ليس في عدد الجماعات المتطرفة، بل في مدى تقبّل المجتمع والسياسة الأمريكية لخطابها على نحو متزايد”.
ويحذر التقرير من أن استمرار تجاهل هذه الظاهرة قد يؤدي إلى تكرار موجات من العنف السياسي والعنصري يصعب احتواؤها، ما لم تُتخذ خطوات مؤسسية جادة لمكافحة التطرف العرقي داخل الولايات المتحدة.
…………………………………………………………………………………………………………………………………
المصادر:
Leonard Zeskind, Blood and Politics: The History of the White Nationalist Movement from the Margins to the Mainstream
Southern Poverty Law Center (SPLC), Hate Map Reports 2023–2024
Anti-Defamation League (ADL) Annual Report 2020
Counter Extremism Project, Domestic Extremism Data 2024
McCain Institute & Center for American Progress (CAP), National Policy Blueprint to End White Supremacist Violence
U.S. Department of Homeland Security (DHS) Threat Assessment 2024
GNET Network Report, “The Evolving Structure of White Nationalist Movements in the U.S.” (2024)




