عاطف عبد الغنى يكتب: مسلسل الابتزاز مستمر.. ترامب وبن سلمان
بيان
لم يكن لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، اليوم الثلاثاء في البيت الأبيض، مجرد اجتماع ثنائي تقليدي، لقد كان فصلاً جديداً، ومكشوفاً، فيما يمكن وصفه بـ “مسلسل ابتزاز” مستمر، يوظف فيه ترامب نفوذه وسلطته ودهائه وأحيانا “غشوميته” لضمان تدفق المال السعودي، على بلاده ودوائر الاستثمار القريبة منه، وأكثر من ذلك ليس فقط للمشاريع الاقتصادية، بل على دعم مساره السياسي المستقبلي.
فصل جديد فى العرض المسرحى المستمر، انطلق اليوم في المكتب البيضاوي، وعنوانه: “الإعلان عن وعود باستثمارات سعودية فى الولايات المتحدة الأمريكية، قد تصل إلى تريليون دولار، لكن التوتر سرعان ما كشف عن دوافع أعمق تحت السطح، ورد بن سلمان بكرم مبديا رغبة المملكة في الانضمام إلى “اتفاقيات إبراهيم”.
كشف المشهد السياسي اليوم أيضا عن ثمن الحصانة والدعم الأمريكي، لولى العهد فبمجرد أن وجهت صحفية سؤالاً لترامب حول الصحفي الراحل جمال خاشقجي، كان رد ترامب عنيفاً ومباشراً: لقد وصف خاشقجي بأنه شخص “مثير للجدل”، ووصف الصحفية نفسها بأنها “مراسلة سيئة”، مؤكداً أن “لا يجب إحراج ضيوفنا بهذا الشكل”.. وأنا متأكد أن الأمر مرتب، لدعم ترامب الذى أبدى حماسا فى الدفاع عن ولي العهد، ولكى يؤكد النظرة النفعية التي تحكم العلاقة: الدعم السياسي مقابل الامتيازات المالية.
وفي المقابل، حاول بن سلمان تبديد شبح 11 سبتمبر، مؤكداً أن أسامة بن لادن “استخدم السعوديين لتدمير العلاقات” مع الولايات المتحدة، في محاولة لاستعادة السرد التاريخي المشترك.
إن ما جرى اليوم في البيت الأبيض يجب قراءته في سياق تقارير صحفية غربية كشفت عن استراتيجية سعودية بعيدة المدى تراهن على عودة الجمهوريين، وتحديداً عودة ترامب أو أحد المقربين منه.
تقرير “واشنطن بوست” و “وول ستريت جورنال” الصادر في أبريل 2022 كان صريحاً: ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قدم امتيازات ضخمة للمقربين من ترامب، وعلى رأسهم صهره ومستشاره السابق جارد كوشنر. كشفت التقارير عن صفقة بقيمة ملياري دولار بين الصندوق السيادي السعودي وكوشنر، تمت رغم اعتراضات لجنة العطاءات التي شككت في قلة خبرة كوشنر وسمعته.
لقد لخصت هذه الصفقة جوهر العلاقة: إنها ليست استثماراً في مجال العقارات بقدر ما هي استثمار في المستقبل السياسي لعائلة ترامب.
كان كوشنر أكبر المدافعين عن ولي العهد السعودي في البيت الأبيض، واستمرت العلاقة حتى بعد مقتل خاشقجي. واليوم، يؤكد هذا اللقاء الذي يتبعه عشاء خاص، أن المال السعودي لا يزال يلعب دوراً محورياً في السياسة الداخلية الأمريكية.
ففي الوقت الذي كانت فيه إدارة بايدن تطلب من الرياض زيادة معدلات إنتاج النفط لدعم استقرار السوق العالمي بعد حرب أوكرانيا، رفضت الرياض الاستجابة، مُرسلة إشارة واضحة بأنها تنظر إلى نفسها كـ “طرف في السياسة المحلية الأمريكية”، وليست مجرد حليف للحكومة الأمريكية الحالية (إبان حكم بايدن الديموقراطى)، بل هي غاضبة من تصريحات ومعاملة إدارة بايدن.
ةفى هذا الصدد أشار مدير مركز شؤون الخليج، علي الأحمد، فى مقال له إلى أنه على الجانب الأمريكى فأن هذه الصفقات تثير قلقاً حقيقياً بشأن تأثير المال الخارجي على الديمقراطية الأمريكية والسياسة الخارجية للبلاد، حسب مزاعمهم.
وبينما يتوجه ولي العهد السعودي اليوم إلى مأدبة العشاء التي يقيمها ترامب، يبقى السؤال معلقا: كم ستدفع المملكة من ثروتها مقابل المثول في حضرة ترامب وتناول العشاء معه؟ المؤكد أن الثمن السياسي والمالي لهذه العلاقة مستمر في الارتفاع، ويرى البعض أن الحساب يدفعه المواطن السعودي أولاً وأخيراً، لكننى أؤكد أن الفاتورة الإجمالية تخصم من مقدرات العرب وقضاياهم، وأجيالهم الحالية والقادمة.




