من التمهيد إلى المآلات: «الثورة والمؤامرة» وقراءة من الشاطئ الآخر لأحداث يناير 2011
سردية : سعيد محمود
في خضم الجدل المستمر حول ما جرى في مصر والمنطقة العربية منذ عام 2011، يقدّم الكاتب الصحفي عاطف عبد الغني في كتابه «الثورة والمؤامرة.. القصة من الشاطئ الآخر» محاولة تفسيرية جريئة لإعادة قراءة ثورة 25 يناير، ليس بوصفها حدثًا داخليًا معزولًا، وإنما حلقة ضمن صراع إقليمي ودولي أوسع على مستقبل الدول العربية.
الكتاب ينطلق من مسلّمة أساسية مفادها أن يناير التى بدأت – فى نظر البعض – كثورة شعبية حقيقية ضد الفساد والاستبداد، سبقها عمل مخطط دافع ومحرض – وفق رؤية المؤلف – وعمليات اختراق خلال مراحلها المختلفة، وتوظيف من قِبل قوى خارجية ومشروعات جيوسياسية لمؤسسات، ومجموعات، وأفراد كانت تستهدف ليس فقط أسقاط النظام الحاكم الذى قامت عليه الأحداث، ولكن إسقاط الدولة المصرية تمهيدا لإعادة تشكيل المنطقة وتقويض مفهوم الدولة الوطنية.
منهج تحليلي ورؤية نقدية
واعتمد عبد الغني على خبرته الصحفية الممتدة في تغطية الملفات السياسية والإقليمية، مستخدمًا منهجًا تحليليًا يقوم على الربط بين الوقائع التاريخية المعلنة وما يعتبره مسارات خفية لصناعة القرار الدولي.
ولا يقدّم الكتاب سردًا توثيقيًا تقليديًا بقدر ما يطرح رؤية تفسيرية ناقدة تحاول تفكيك أدوار الإعلام، والمنظمات العابرة للحدود، وشبكات التمويل، وتأثير ما يُعرف بحروب الجيلين الرابع والخامس.
جزآن لرواية واحدة
ينقسم الكتاب إلى جزأين رئيسيين؛ الأول يتناول ما يصفه الكاتب بـ«الوقائع السرية لاختراق دولة مبارك»، متتبعًا مسارات التفكيك التي بدأت – بحسبه – منذ انهيار الاتحاد السوفيتي (تم استنساخ مخطط تفكيك الاتحاد السوفيتى وتطبيقه فى الثورات الملونة فى أوروبا الشرقية، ومن بعدها الدول العربية فيما أطلق عليه تسمية الربيع العربى) مرورًا بحرب الخليج الأولى، وصولًا إلى ما سمّاه «عملًا موازيًا» داخل بعض الدول العربية.
أما الجزء الثاني، المعنون بـ «القصة من الشاطئ الآخر»، فيركّز على ما بعد اندلاع الثورات، محللًا أدوار بعض الحركات السياسية، ومنصات التدريب والتعبئة، ووسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى علاقات معقدة تربط الداخل العربي بعواصم إقليمية وغربية.
أطروحات مثيرة للجدل
من أبرز ما يطرحه الكتاب:
-
أن مشروع «الشرق الأوسط الكبير» مثّل الإطار الفكري لإعادة رسم خريطة المنطقة.
-
أن بعض القوى والحركات لعبت أدوارًا وظيفية، سواء بوعي أو بدونه.
-
أن ما جرى في مصر لا يمكن فصله عن مسارات موازية وأحداث شبيهة وقعت فى العراق، وتونس، وسوريا وليبيا واليمن.
هذه الأطروحات جعلت الكتاب محل نقاش واسع منذ صدوره، بين من رأى فيه قراءة كاشفة لزوايا غائبة من المشهد، ومن اعتبره طرحًا يغلب عليه منطق المؤامرة على حساب العوامل الاجتماعية والسياسية الداخلية.
أهمية الكتاب وموقعه في النقاش العام
تكمن أهمية «الثورة والمؤامرة» في كونه جزءًا من السجال الفكري والسياسي حول ثورة يناير، وليس مجرد شهادة فردية. فالكتاب يعبّر عن اتجاه فكري حاضر بقوة في النقاش العام المصري والعربي، ويشكّل مادة غنية للباحثين في قضايا الأمن القومي، ودراسات الثورات، وتحولات الدولة في الشرق الأوسط.
أسئلة صادمة
لا يقدّم كتاب عاطف عبد الغني إجابات نهائية بقدر ما يطرح أسئلة صادمة، ويدفع القارئ لإعادة التفكير في المسارات التي قادت إلى ما آلت إليه المنطقة. وبين الثورة والمؤامرة، يترك الكاتب الحكم الأخير للقارئ، داعيًا إلى قراءة الأحداث بعين ناقدة لا تكتفي بالمشهد الظاهر، بل تحاول الغوص في ما وراءه.




