بين إسرائيل والعرب.. علاقات جيفرى إبستين المتهم فى أكبر فضيحة إتجار بالبشر
كتب: على طه
في عالم تغذّيه العلاقات السرية والمال والنيّات غير المعلنة، تظهر ملفات جيفري إبستين — الممول الأميركي المدان بالاتجار الجنسي واستغلال القاصرات — كمرآة عاكسة لأوسع من مجرد فضيحة جنسية. إذ تتداخل فيها السياسة مع المال، وتصبح الاتصالات العابرة للقارات مفتاحًا لفهم أبعاد غير مكتشفة بعد لشبكته وتأثيراتها على الشرق الأوسط.
الإمارات وإبستين: ليس مجرد صداقة
أظهرت رسائل بريد إلكتروني رسمية أُفرج عنها في عام 2026 أن سليمان أحمد بن سليّم، رئيس مجلس إدارة DP World، أكبر شركة تشغيل للموانئ في العالم ومقرها دبي، كان على علاقة متواصلة بجيفري إبستين لأكثر من عقد كامل.
الوثائق تكشف أن العلاقة لم تكن اجتماعية فحسب، بل شملت تنسيق فعاليات وخدمات بطلب من إبستين، من بينها ترتيب تدريب لما يُوصف بأنه “مدلّكة” من مكتب إبستين في تركيا عام 2017، وهو ما أظهر تساهلًا في تبادل خدمات يمكن اعتبارها غير مهنية أو ذات طابع شخصي بحت.
الرسائل أظهرت أيضًا تبادلًا صريحًا في اللغة بين الطرفين، ما يعكس راحة شخصية تتجاوز العلاقات الرسمية، وهو ما أثار جدلًا واسعًا حول حدود هذه العلاقة وتأثيرها على دور رجال أعمال عرب في دوائر مؤثرة.
بوّابات النفوذ.. بين الإمارات وإسرائيل
تحقيقات مستقلة وتحليلات لوثائق مسرّبة أشارت إلى أن إبستين لم يتعامل فقط على مستوى العلاقات الثنائية، بل تداخل في شبكات أوسع تضم جهات متصلة بالسياسات الإقليمية.
من بين هذه الاتصالات، ما يُعرف بـ ”backchannel” أو قناة خلفية تربط بين الإمارات وإسرائيل في سياقات اقتصادية وسياسية، استغل فيها إبستين موقعه كوسيط غير رسمي في تسهيل لقاءات وفتح قنوات تواصل غير معلنة بين النخب.
المراسلات تكشف كذلك عن تبادل محتوى جنسي صريح بين إبستين وشخصيات مرتبطة بالعالمين الاقتصادي والسياسي، ما يطرح سؤالًا حقيقيًا حول ما إذا كان هذا الشكل من «الامتياز الاجتماعي» استُخدم فعلاً كأداة استغلال أو ضغط سياسي أو اقتصادي، وهو ما يعرف المصطلح الروسي بـ kompromat، أي المادة المُحرجة أو المساومة — رغم غياب دليل قضائي مباشر يثبت استخدامه فعلًا.
محطات جوّية ورسائل غير مكتملة
على الرغم من أن السعودية لم تظهر في الوثائق الرسمية كجزء من تحقيقات جنائية أو اتهامات مباشرة، إلا أن سجلات flight logs لطائرة إبستين الخاصة تظهر هبوطًا في الرياض، وفق خرائط غير رسمية لوثائق المسارات الجوية التي تُحلّل بيانات سير رحلاته الدولية — وهو ما يشير، على الأقل، إلى وجود اتصالات أو زيارات لم يتم الكشف عن دوافعها رسميًا.
هذه الزيارات لم تُفسَّر حتى الآن، لكن المحللين يعتبرونها مؤشرًا على مرحلة من العلاقات غير الموثقة بالكامل بين شبكات نفوذ دولية ونخب اقتصادية وسياسية في المنطقة.
ليبيا.. من الاتصالات إلى الطموحات المالية
في تطور لافت كشفته رسائل إلكترونية منتمية لعام 2011، سعَى إبستين وشركاؤه إلى الاستفادة من الأصول المالية الليبية المجمدة بعد ثورة 2011 — وهي أموال جمّدتها الدول الغربية لصالح الأمم المتحدة ولم تُسترد بعد.
الوثائق تشير إلى محادثات مع مسؤولين سابقين في أجهزة استخبارات بريطانية وإسرائيلية حول كيفية تحديد واسترداد هذه الأصول عبر شركات محاماة دولية، مع وعد بعائدات مالية هائلة.
رغم أن هذا لا يثبت ارتباطًا جنائيًا مباشرًا بالدول العربية، فإنه يوضح امتداد طموحات شبكة إبستين الاقتصادية لتشمل استثمارات وطموحات مالية استغلالية في سياقات نزاع سياسي، وهو ما يطرح أسئلة أخلاقية وسياسية عميقة.
ما بين الشائعات والحقائق: الاستخبارات
واحدة من أكثر الزوايا المثيرة للجدل هي الادعاءات عن صلات إبستين بأجهزة استخبارات، منها ما يتصل بالمخابرات الإسرائيلية (الموساد) أو غيرها من أجهزة.
هذه الادعاءات تُروّج في بعض وسائل الإعلام والتحليلات، لكنها لم تثبت قانونيًا حتى الآن.
وحتى مسؤولين إسرائيليين نفوا بشكل قاطع وجود علاقة من هذا النوع، واصفينها بأنها «حملة افتراءات لا أساس لها».
هذه النقطة تبقى في خانة التحليلات الصحفية والسرديات غير المثبتة إلا إذا ظهرت أدلة جديدة من الملفات التي لا يزال بعضها محجوبًا.
وحتى الآن فأن تحقيقات ملفات إبستين في الشرق الأوسط لا تُظهر تورط حكومات عربية في جرائم الاتجار أو الاستغلال الجنسي كما حدث في الولايات المتحدة، لكنها تكشف شبكة علاقات واستثمارات واتصالات واسعة ومعقدة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
وتبقى القضية مفتوحة على مزيد من الوثائق التي لم تُنشر بعد، ما يتيح استمرار البحث والتحقيق في العلاقة بين رجال نفوذ عالميين وبين دوائر التأثير في الشرق الأوسط.





