شكاوى واعترافات المصريين للإمام الشافعى

.. كيف رأى د. سيد عويس ظاهرة إرسال الرسائل إلى ضريح الشافعي؟

 

سردية يكتبها: محمد سليمان

للمرحوم الدكتور سيد عويس كتاب يحمل عنوان “ظاهرة إرسال الرسائل إلي ضريح الإمام الشافعي”، وتضمن الكتاب دراسه سوسيولوجية، كان قد أنجزها د. عويس الذى عمل خبيراً بالمركز القومي للبحوث الجنائية والإجتماعيه، وجاء كتابة الأول الذى تناول تلك الظاهرة.

ظاهرة تقديس الأولياء

ومن الملاحظ للعيان أن ظاهرة تقديس الأولياء والقديسين منتشرة بين عوام الشعب المصري، سواء كانوا مسلمين أم مسيحيين، واستتبع ذلك التقديس انتشار ظاهرة الموالد في كل ربوع مصر.

من أشهر الموالد بالنسبة للمسلمين في مصر مولد سيدنا الحسين بالقاهرة، ومولد السيد البدوي بطنطا، ومولد سيدي إبراهيم الدسوقي بدسوق، ومولد سيدي عبد الرحيم القنائي بقنا، ومولد سيدي أبو الحجاج الأقصري بالأقصر، ومولد سيدي شبل بالشهداء بالمنوفية…

ومن أشهر الموالد عند أقباط مصر مولد السيدة العذراء بمسطرد، ومولد القديسة دميانة بالدقهلية، ومولد الأنبا شنودة بأخميم بسوهاج…

وعدد غير قليل من المصريين يعتقد في هؤلاء الأولياء، وأن لهم القدرة على الشفاء من الأمراض، رغم أن تلك الأمور في الشريعة الإسلامية تخالف تعاليم الدين الصحيح وتحمل في طياتها مظاهر شركية.

لكن يرى هؤلاء أن لكل ولي نوعًا يتفرد به، فيرون مثلاً أن الذهاب إلى ضريح المغاوري يشفي المرأة العاقر وأنها تُوهب الولد بسر تلك الزيارة، ويعتقد البعض أيضًا أن المرور من بوابة المتولي (باب زويلة) يشفي أيضًا من هذا المرض، ناسين أو متناسين قول الله عز وجل: (ويجعل من يشاء عقيماً).

السيدة نفيسة والشعرانى والشافعى

أما السيدة نفيسة في معتقدهم سرها باتع في شفاء مرضى العيون، ولا ننسى هنا رائعة يحيى حقي “قنديل أم هاشم”، وكيف قضى الإيمان بمثل تلك الخرافات على عين فاطمة النبوية بطلة القصة، حينما تم وضع الزيت الذي يحمل مواد كاوية في عين فاطمة باعتباره زيتًا مقدسًا مأخوذًا من قنديلٍ لمسجد السيدة زينب.

وأن الذهاب إلى مسجد الشعراني يشفي من الأمراض النفسية والعقلية. يذكرني ذلك بمقال قرأته منذ فترة عن ضريح سيدي بن عاشر في المغرب، وكيف أن الناس هناك يعتقدون أن زيارة الضريح تعالج الأمراض العقلية والنفسية والمسحورين، وأدى الإيمان بذلك إلى تحول شارع ضريح سيدي بن عاشر إلى مكان مليء بالمجانين والمرضى النفسيين ومن يظنون أنهم مسحورون.

والشافعي يقضي بالحق ويعيد الحقوق لأصحابها، بل وينتقم من الظالمين، فهو الذي قام بالقضاء والتحكيم بين أبيه وأمه، كما ورد في كثير من الرسائل المرسلة إلى ضريحه، رغم عدم صحة ذلك بداهةً؛ لأن الشافعي رحمه الله توفي والده وهو ابن سنتين، كما نوه الدكتور عويس في دراسته.

الظواهر الفرعية السلبية

والواضح أن ظاهرة تقديس الأولياء تتفرع عنها بعض الظواهر الفرعية السلبية.

من بين تلك الظواهر المتفرعة عن ظاهرة تقديس الأولياء ظاهرة إرسال الرسائل إلى ضريح الإمام الشافعي رضي الله عنه، وكأن الإمام الشافعي رحمه الله المتوفى سنة 204 هـ / 820 م في رأي هؤلاء ما زال حيًا بينهم يقرأ تلك الرسائل المرسلة إلى ضريحه ويحكم بين المتخاصمين، بل وفي بعض الأحيان ينتقم من الظالمين، وكأن التفكير الخرافي يُعد سمةً بارزة لتفكير بعض عوام الشعب المصري.

وتكمن أهمية تلك الدراسة، كما يذكر الدكتور عويس، في أننا يجب أن نواجه مشاكلنا بأساليب علمية، وأن نبتعد عن كل أسلوب غير علمي في تفسير مشاكلنا.

ويرى الدكتور عويس أن ما يمارسه بعض الناس عن طريق إرسال الرسائل إلى ضريح الإمام الشافعي ينبئ عن وجود بعض العناصر الثقافية السلبية التي تتحكم في سلوك هؤلاء الناس.

قصة تأليف الكتاب

يخبرنا الدكتور عويس بأنه كان مهتمًا بدراسة موضوع الجرائم غير المنظورة، وهي تلك الجرائم التي تُرتكب في المجتمع ولكنها لا تصل إلى رجال الشرطة أو المحاكم لسبب أو لآخر.

ويخبرنا أنه في غمار البحث والتقصي برزت فكرة جديدة، وولدت هذه الفكرة من خلال خبرته الشخصية، حيث يذكر الكاتب أنه كان يسكن بحي الخليفة المجاور للمقابر، وأنه أثناء امتحانه لشهادة الابتدائية نصحه أحدهم أن يرسل للإمام الشافعي رسالة طالبًا منه العون على بلوغ مراده، ليذهب الطفل حينها إلى ضريح الإمام ليضع رسالته.

ليتساءل الباحث بعد مرور ثلاثين سنة على تلك التجربة عن مضمون تلك الرسائل المرسلة إلى الضريح، لتبرز تلك الفكرة الرائعة عن دراسة وتحليل تلك الرسائل.

وفي ملمح مهم يذكر المؤلف في الفصل الثالث، وهو الفصل الخاص بالتعرف على الإمام الشافعي رحمه الله، أن الإمام الشافعي لم يعارض أستاذه الإمام مالك طيلة حياته، بل وكان مدافعًا عن آرائه، ولكن عندما علم الشافعي أن الإمام مالك تُقدَّس آثاره وثيابه في بعض البلدان، ثار ونقد آراء الإمام مالك وألف كتابًا أسماه “خلاف مالك”.

ولابد أن نوضح أن سبب قيام الإمام الشافعي بتأليف هذا الكتاب هو ما رآه وسمعه عن تقديس الإمام مالك وتقديس آثاره، وأنه بمفهوم المخالفة لولا ذلك ما كتب الشافعي كتابه ولا أظهر اختلافاته مع الإمام مالك.

وكأن الشافعي رحمه الله يخبرنا بأنه لا تقديس في الإسلام للبشر، وأن الإنسان منا مهما بلغ علمه وتدينه لا يملك لنفسه شيئًا، وهذه رسالة عابرة لمن كان له قلب.

كانت الرسائل تُرسل إلى الضريح عبر طريقين: إما عن طريق توجه الناس إلى ضريح الإمام الشافعي ووضع الرسالة في الضريح، وتلك الرسائل كان خادم الضريح يجمعها أسبوعيًا ويتخلص منها، وإما عن طريق إرسالها عبر البريد المصري، والدراسة التي بين أيدينا كانت لفحص وتحليل الرسائل المرسلة عن طريق البريد.

163 رسالة أرسلها المصريون عبر البريد العادي خلال المدة من شهر مايو عام 1952 إلى شهر مايو 1958، مع ملاحظة وجود رسالة قد أُرسلت عام 1925م.

وينبهنا الكاتب إلى أن تلك الرسائل ليست كل الرسائل التي أُرسلت إلى الضريح خلال هذه الفترة.

قد يقول قائل، كما يذكر عويس، إن 163 رسالة خلال سبع سنوات لا تمثل اعتبار الأمر كظاهرة، ولكن الإجابة كما وضحنا بعاليه أن هذا العدد هو فقط للرسائل المرسلة عن طريق البريد، ولكن هناك عددًا كبيرًا من الرسائل كان يقوم بها الأشخاص عن طريق الذهاب إلى الضريح ووضع رسائلهم بداخله.

والدلالة على كثرة تلك الرسائل أن خادم الضريح يقوم بجمعها أسبوعيًا والتخلص منها.

كثير من الجرائم

ويذكر الدكتور عويس أن تلك الرسائل قد تضمنت الكثير من الجرائم غير المنظورة، وأنه قد قام بتقسيم تلك الشكاوى إلى خمسة أنواع:

النوع الأول: شكاوى بسبب الاعتداء على المال، وهي أكثرها.
النوع الثاني: شكاوى بسبب الاعتداء على الأشخاص.
النوع الثالث: شكاوى في نطاق الأسرة.
النوع الرابع: شكاوى في نطاق العمل.
النوع الخامس: بعض الشكاوى الأخرى التي لم يتبين منها نوع الاعتداء.

الدراسة التي بين أيدينا مليئة بالإحصاءات والتحليل لتلك الرسائل، نذكر بعضًا منها.

على سبيل المثال يتكلم الدكتور عويس عن الأماكن التي أُرسلت منها تلك الرسائل، ليخبرنا أن الأغلبية الساحقة من تلك الرسائل أُرسلت من الوجه البحري بواقع 68 رسالة أي بنسبة 47.2%، ومن الوجه القبلي 67 رسالة أي بنسبة 46.5%، أما عدد الرسائل التي أتت من محافظات القاهرة والإسكندرية وبورسعيد ودمياط فلا يعدو تسع رسائل أي بنسبة 6.3%.

وأُرسلت تلك الرسائل من خمس عشرة محافظة مصرية:

في المركز الأول تأتي محافظة الفيوم بـ 43 رسالة.
في المركز الثاني محافظة الغربية بـ 31 رسالة.
في المركز الثالث محافظة المنوفية بـ 16 رسالة.
في المركز الرابع محافظة بني سويف بـ 13 رسالة.
في المركز الخامس محافظة الشرقية بـ 10 رسائل.

وكان أقل عدد آتيًا من محافظات الإسكندرية وبورسعيد والبحيرة وقنا بواقع رسالة من كل محافظة.

وتمتلئ تلك الرسائل بطلبات صريحة بالانتقام، مع وجود بعض الرسائل موضح بها صورة الانتقام المطلوب تحقيقه على يد الإمام كالشلل والعمى أو الموت أو تخريب الديار، وبعضها يطلب تحقيق العدالة ورفع الظلم وغيرها من الطلبات الواردة بالرسائل، والتي يقوم الدكتور عويس بإحصائها وتحليلها بكل دقة.

نماذج من رسائل البريد  

نجد سيدة من السنطة محافظة الغربية ذكرت اسمها وكتبت رسالتها على ورقة عادية بتاريخ 12 ديسمبر 1957م الموافق 20 جمادى الأولى سنة 1377 هـ، قالت دون ذكر البسملة والصلاة على النبي، موجهة خطابها مباشرة للإمام الشافعي:

سيدي الإمام الشافعي رضي الله عنه:
أتوسل بك إلى ربك سبحانه وتعالى أن ينتقم عاجلًا ومستعجلًا ممن سرق ذكر البط التابع لي، وأن يُريني الله بقدرته سبحانه وتعالى ما يسر خاطري…
أتوسل بسيدي الإمام الشافعي إلى الله أن ينتقم أيضًا من فلان ابن فلان الذي أخذ مني شجرتي تين شوكي.

وأمثال تلك الرسائل كثيرة، فمثلاً سنجد أيضًا رجلًا يشكو للإمام سرقة الديك الرومي، وأخرى تشتكي من سرقة الجاز والدقيق والسمن والأنجر.

ويبين لنا الدكتور عويس أهمية مثل هذه الأشياء البسيطة كذكر البط والديك الرومي والدجاجة بالنسبة للفلاح البسيط، وللأهمية القصوى لمثل تلك الأشياء يعلل الدكتور عويس سبب هياج الفلاحين في القرى إذا تصادف واصطدمت إحدى السيارات بمثل تلك الأشياء، حيث قد يصل الأمر إلى تدمير السيارة وضرب السائق، ومن يقطنون القرى يعلمون ذلك.

الخرافة

ونجد شكوى مطولة لا يسع المقام لسردها كاملة من رجل من قرية سنجرج التابعة لمركز منوف محافظة المنوفية ويسكن بقرية العراقية، يرسل رسالة إلى الإمام الشافعي، يقول فيها الآتى:

“أطلب منك بأن تحضر معك في الجلسة الشريفة سيدنا الحسن وسيدنا الحسين والست زينب أم هاشم وجميع أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وتطلبوا من الله مسح وإزالة إسرائيل اليهود من على وجه الأرض المقدسة في هذا الأسبوع، ويكون إن شاء الله آخر ميعاد يوم الثلاثاء القادم بانتصار الجيش المصري على اليهود؛ لأنهم أعداء الله وأعداء النبي صلى الله عليه وسلم…”.

كُتبت تلك الرسالة في 5/10/1955، وكأن ما حدث بعد ذلك بعد مرور أكثر من عقد على تاريخ تلك الرسالة من هزيمة مزلزلة يطلق عليها المصريون تعبير “النكسة” دليل على أن الخرافة لا تجلب سوى الهزيمة، وأن الإعداد للمعركة توجيه وأمر إلهي.

في النهاية، الدراسة التي قام بها الدكتور عويس دراسة فذة ورائدة وتستحق القراءة، وأنها تريد توجيه رسالة شديدة التحذير بأن الاستمرار في التفكير الخرافي في المشاكل التي تواجه مجتمعاتنا كفيل بإلحاق أكبر الهزائم بنا دون أن يتطلب ذلك جهدًا يُذكر لأعدائنا.

نرشح لك:

سياحة قنص البشر .. قراءة في تاريخ إجرام الرجل الأبيض

زر الذهاب إلى الأعلى